فؤاد بوجبير – باحث في علوم إدارة الاعمال (التدبير العمومي)
في إطار العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، حرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، دائمًا على إبراز عمق ومتانة واتساع الروابط التاريخية والمعاصرة التي تجمع بين البلدين. مؤكدًا على أهمية التعاون القائم على الاحترام المتبادل، والصداقة، وتقاسم القيم المشتركة، جدّد جلالته في مناسبات عديدة عزمه الراسخ على الارتقاء بهذه الشراكة إلى مستوى من التميز يخدم مصالح الشعبين ويعزز الاستقرار الإقليمي.
وهكذا تبدأ الرؤية، لا كتصور فحسب، بل كالتزام. ففي عالم متغير تتحول فيه موازين القوى وتُعاد فيه صياغة التحالفات، تبرز الشراكة بين المغرب والولايات المتحدة كتحفة صاغها الاحترام العريق، ورعتها السنوات، وأغنتها روح التكامل، ورسّختها الممارسة. إنها علاقة لا تقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل تمتد إلى التاريخ، والاستراتيجية، والاقتصاد، والثقافة، وقبل كل شيء إلى الإنسان.
لقد تشكلت هذه الشراكة عبر التاريخ، وتجذرت في البعد العسكري والأمني، وتوسعت بقوة في المجال الاقتصادي، كما ترسخت في التبادل الثقافي والإنساني.
*أولًا : البعد التاريخي*
تعود جذور هذه العلاقة الاستثنائية إلى قرون مضت، إذ كان المغرب في ديسمبر 1777 أول دولة في العالم تعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يكن هذا الاعتراف مجرد فعل دبلوماسي، بل كان اختيارًا بصيرًا وإشارة صداقة خالدة تجاوزت العصور. وعلى مر الزمن، مرت العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة بمختلف تقلبات التاريخ، لكنها لم تفقد جوهرها القائم على الثقة والمصلحة المشتركة والانفتاح.
العلاقات المغربية–الأمريكية تستند إلى تاريخ مشترك عنوانه الثقة والتعاون. وكما قال صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، خلال مراسم الاستقبال الرسمي في البيت الأبيض :
«العلاقات التي تربط بلدينا منذ أكثر من قرنين هي علاقات متميزة ونموذجية، إذ يجمعنا أحد أقدم معاهدات السلام والصداقة في العالم… وقد ناضل بلدانا باستمرار من أجل الحرية وانتصار القيم الإنسانية الكبرى».
تجسد هذه الكلمات العمق التاريخي والقيم المشتركة التي تؤسس للصداقة المغربية–الأمريكية.
وعلى أرض الواقع، تُرجمت هذه العلاقة إلى أطر مؤسساتية ملموسة، من أبرزها دخول اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة حيز التنفيذ في 1 يناير 2006، والتي شكلت محطة مفصلية في بناء شراكة اقتصادية منظمة. ويشير الخبراء إلى أن هذه الشراكة التاريخية منحت المغرب مصداقية استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فيما تعتبر الولايات المتحدة المغرب «حليفًا مستقرًا وموثوقًا» في منطقة تشهد اضطرابات متكررة.
وهذه الاستمرارية الممتدة لأكثر من قرنين ليست صدفة، بل ثمرة اختيارات متبادلة وتلاقي قيم مشتركة: الأمن، والتنمية، والانفتاح. فالتاريخ هنا ليس مقدمة شكلية، بل هو أساس صرح حيّ يضيء مسار التعاون الراهن.
*ثانيًا : البعد العسكري والأمني*
لا تقتصر العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة على التصريحات، بل تتجسد فعليًا في التعاون العسكري والأمني، وهو أحد أعمدة هذه الشراكة. بحيث يستضيف المغرب سنويًا مناورات «الأسد الإفريقي» متعددة الجنسيات، التي ينظمها القيادة الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم). وتشمل هذه المناورات جوانب لوجستية وطبية وإخلاء جوي ومساعدات مدنية–عسكرية، كما حصل سنة 2025 حين عملت فرق مغربية وأمريكية مشتركة في مستشفى ميداني بالمغرب.
لكن التعاون لا يقف عند حدود التدريب، بل يمتد إلى مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وضبط تدفقات التهريب، ودعم الاستقرار الإقليمي. ومن هذا المنطلق، يُعدّ المغرب شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة في المنطقة.
وقد صرّح الجنرال مايكل لانغلي (أفريكوم) : «علينا أن نُمكّن شركاءنا من الوصول إلى مستوى العمليات المستقلة، فلا بد من تقاسم الأعباء». ويشير هذا إلى أن المغرب ليس مجرد متلقٍ للدعم الأمريكي، بل فاعل يسعى لتعزيز قدراته الوطنية.
ميدانيًا، يعني ذلك أن الشراكة الأمنية لا تقتصر على تبادل المعدات والخبراء، بل تشمل نقل المعرفة، وتنمية الكفاءات، وبناء طموح للريادة الإقليمية، وهو ما ينسجم تمامًا مع الاستراتيجية المغربية الرامية إلى أن يكون المغرب فاعلًا أساسيًا في استقرار إفريقيا.
وبذلك، يكشف البعد العسكري والأمني عن الطابع العملي والمنظم والمستقبلي لهذه الشراكة.
*ثالثًا : البعد الاقتصادي*
يُعدّ الاقتصاد أحد أبرز أوجه هذه الشراكة، من حيث التجارة، والاستثمار، والتكامل الصناعي، والدور الإقليمي للمغرب كبوابة إفريقية.
*أ) حجم المبادلات التجارية*
اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة، المفعلة منذ عام 2006، فريدة من نوعها في القارة الإفريقية.
وحسب إحصائيات عام 2024، بلغ حجم التجارة الإجمالي بين البلدين (سلع وخدمات) حوالي 9.26 مليارات دولار أمريكي، أي بزيادة قدرها 15٪ مقارنة بعام 2023. بحيث بلغت الصادرات الأمريكية إلى المغرب 7.75 مليارات دولار، في حين بلغت الواردات المغربية إلى الولايات المتحدة 1.51 مليار دولار. وفي القطاع الفلاحي، كان المغرب سنة 2023 ثاني أكبر سوق إفريقي للصادرات الزراعية الأمريكية، بما يفوق 610 ملايين دولار، أي ما يمثل حوالي 16٪ من إجمالي الصادرات الزراعية الأمريكية إلى إفريقيا.
*ب) التكامل والمنصة الإفريقية*
يُعتبر المغرب مركزًا طبيعيًا، بحكم موقعه الجغرافي بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، وبفضل ميناء طنجة المتوسط، والبنية التحتية المتطورة، والمناخ الاستثماري المشجع، أصبح بوابة للشركات الأمريكية الراغبة في دخول الأسواق الإفريقية.
وتطمح المملكة، وفق الرؤية الملكية، إلى تحقيق نسبة 52٪ من إنتاج الطاقة من مصادر متجددة بحلول عام 2030، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام الشركات الأمريكية المتخصصة في التكنولوجيا الخضراء.
*ج) الرهانات والتحديات*
ورغم متانة التعاون، تبقى بعض الاختلالات قائمة، أهمها الفائض التجاري الكبير لصالح الولايات المتحدة، حيث يستورد المغرب أكثر مما يصدر، ما يثير تساؤلات حول التوازن. ويرى بعض الخبراء ضرورة تنويع الصادرات المغربية نحو السوق الأمريكية وتعزيز القيمة المضافة المحلية.
ومع ذلك، تظل الشراكة الاقتصادية واقعية ومتصاعدة، تساهم في تنمية المغرب وتمنح الشركات الأمريكية منفذًا إلى أسواق جديدة. فالاقتصاد يشكّل أحد أهم روافد هذه الشراكة، وإمكاناته لم تُستنفد بعد.
*رابعًا : البعد الثقافي والإنساني*
تتجاوز الشراكة المغربية–الأمريكية نطاق المعاهدات والاتفاقيات لتشمل البعد الإنساني والثقافي والاجتماعي : تبادل الطلبة، والتعاون الجامعي، والجاليات، والسياحة، والحوار المجتمعي.
فالتبادلات الثقافية تنسج خيوطًا غير مرئية لكنها أساسية في توطيد العلاقات. فعندما يدرس طالب مغربي في الولايات المتحدة، أو تتعاون شركة أمريكية مع مؤسسة مغربية، أو يُطلق مشروع بحث مشترك، فإن هذه المبادرات تبني الثقة والفهم المتبادل. ويمثل المغرب، بما له من إشعاع ثقافي، جسرًا بين إفريقيا والعالم الغربي، وبين الأصالة والحداثة.
وتجعل مشاريعه التنموية وطموحاته الطاقية ومبادراته في مجال حقوق الإنسان وريادة الأعمال والرقمنة منه شريكًا متميزًا للولايات المتحدة.
لذلك، لا يُعتبر البعد الثقافي عنصرًا ثانويًا، بل هو الأساس الذي يغذي الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية.
كما تؤكد هذه الدينامية الثقافية أن الشراكة لا تستهدف فقط العلاقات بين الدول، بل بين الشعوب، وهو ما يمنحها عمقها واستدامتها.
*الخاتمة*
مثل نهرٍ شق مجراه عبر الزمن في صخر التاريخ، تعمقت الشراكة بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية واتسعت وازدادت ثراءً.
فهي شراكة قديمة، تعود إلى اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة، لكنها ما تزال حية، ديناميكية، متجددة، وقادرة على التطور.
على المستويات التاريخية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية، تجسدت هذه الشراكة في إنجازات ملموسة : آلاف الجنود الذين تدربوا معًا، مليارات الدولارات في المبادلات التجارية، طلاب وباحثون في تعاون مشترك، ومشاريع للطاقة الخضراء واللوجستيك.
كما شكّل ايضا اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة المغرب على صحرائه تأكيدًا على الثقة ومتانة وقوة هذا التحالف.
وتتميز هذه العلاقات بعمقها التاريخي وحيويتها المستمرة، وهي صداقة قائمة على القيم المشتركة والمصالح المتبادلة.
وقد عبّر جلالة الملك محمد السادس عن ذلك في برقيته إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمناسبة انتخابه، حيث قال : «إن المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية مرتبطتان بتحالف تاريخي وشراكة استراتيجية صمدت أمام اختبار الزمن»، مضيفًا أن هذه الروابط تشكّل «قوة دافعة لخدمة السلام والأمن والازدهار في الشرق الأوسط وإفريقيا وخارجها». إن استمرارية هذه العلاقات تجسد صلابة شراكة نموذجية بين أمتين يجمعهما التاريخ وينظران معًا نحو المستقبل.
وفي الختام، فإن هذه الشراكة تتجاوز مجرد توافق في المصالح، لتصبح جسرًا بين شعبين، صدى متبادلاً بين ضفتي جبل طارق والمحيط الأطلسي، بين الرباط وواشنطن.
وما دامت هذه الإرادة المشتركة قائمة، فستظل هذه العلاقة تزدهر، وتغذي مجالات التعاون، وتلهم العالم برسالة صداقة وتكامل وتقدم مشترك.










































