لم يعد المنتخب المغربي مجرد ممثل للقارة الأفريقية في كأس العالم، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج أعاد صياغة نظرة العالم إلى الكرة الأفريقية.
وما قاله رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي، ليس سوى اعتراف رسمي بما أصبح واقعاً داخل المستطيل الأخضر؛ فالمغرب لم يعد يحقق الإنجازات بالصدفة، وإنما عبر مشروع رياضي متكامل أثبت استدامته.
فمنذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، اعتقد كثيرون أن بلوغ نصف النهائي كان لحظة استثنائية يصعب تكرارها. لكن مشاركة “أسود الأطلس” في مونديال 2026 جاءت لتدحض هذه الفرضية، بعدما عاد المنتخب إلى ربع النهائي، مؤكداً أن حضوره بين كبار العالم أصبح نتيجة عمل مؤسساتي طويل، وليس وليد جيل ذهبي فقط.
اللافت في التجربة المغربية أنها غيرت سقف الطموحات داخل القارة. ففي السابق، كانت المنتخبات الأفريقية تحتفل بمجرد تجاوز دور المجموعات، أما اليوم فأصبح الحديث يدور عن المنافسة على المربع الذهبي، بل وحتى على اللقب العالمي. وهذا التحول الفكري يعد في حد ذاته أحد أهم مكاسب الكرة الأفريقية.
ولعل أهم ما يميز المشروع المغربي أنه لم يقتصر على تطوير المنتخب الأول، بل انطلق من إصلاح شامل للمنظومة الكروية. الاستثمار في مراكز التكوين، وتحديث البنية التحتية، والاستقرار الإداري، والعمل وفق رؤية بعيدة المدى، كلها عوامل جعلت المغرب يحصد النتائج على مستوى مختلف الفئات والمنتخبات، قبل أن يترجمها إلى إنجازات في أكبر المحافل الدولية.
كما أن نجاح المغرب لم يعد يقتصر على الجانب الرياضي، بل امتد إلى المجال التنظيمي. فقد أصبحت المملكة شريكاً موثوقاً لدى الاتحاد الأفريقي والاتحاد الدولي في احتضان البطولات الكبرى، وهو ما يعكس الثقة التي اكتسبتها بفضل نجاحاتها المتتالية في تنظيم المنافسات القارية والدولية وفق أعلى المعايير.
ورغم ذلك، فإن التجربة المغربية تكشف أيضاً حقيقة مهمة، وهي أن المنافسة العالمية لا تُبنى بالمواهب وحدها. فالقارة الأفريقية تزخر باللاعبين، لكنها تحتاج إلى مشاريع مشابهة للمشروع المغربي، تقوم على التخطيط والاستثمار والاستمرارية، بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل أو الحلول الظرفية.
من هنا، يمكن اعتبار المغرب اليوم أكثر من مجرد منتخب ناجح؛ إنه نموذج يختصر الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الكرة الأفريقية إذا أرادت فعلاً كسر الهيمنة الأوروبية وأمريكا الجنوبية على كأس العالم. فالتتويج بالمونديال لن يتحقق عبر الأمنيات، بل عبر تعميم التجارب الناجحة، وفي مقدمتها التجربة المغربية التي أثبتت أن الوصول إلى القمة ليس حلماً مستحيلاً، بل نتيجة طبيعية لمشروع واضح، وإدارة ناجحة، وإيمان بأن المنافسة مع الكبار تبدأ قبل سنوات من انطلاق صافرة البداية.








































