يدخل حزب الاستقلال المرحلة الأخيرة التي تسبق الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 وسط أجواء تنظيمية مشحونة، بعدما تحولت عملية توزيع التزكيات إلى واحدة من أبرز بؤر التوتر داخل التنظيم، في وقت يرفع فيه الحزب سقف طموحه نحو تصدر نتائج الاقتراع وقيادة الحكومة المقبلة.
وبحسب معطيات متقاطعة، فإن عددا من القيادات المحلية والأعيان الذين يشكلون خزانا انتخابيا تقليديا للحزب، بدأوا يلوحون بخيارات تصعيدية، من بينها الاستقالة أو الالتحاق بأحزاب منافسة، في حال حرمانهم من الترشح باسم حزب “الميزان”. ويضع هذا الوضع قيادة الحزب أمام معادلة دقيقة، تجمع بين الرغبة في تجديد النخب وفرض معايير جديدة لاختيار المرشحين، وبين الحفاظ على الأسماء التي تمتلك وزنا انتخابيا قادرا على ضمان المقاعد.
وتبدو حدة الصراع أكثر وضوحا في عدد من الدوائر الانتخابية، خاصة في مناطق الشمال والأقاليم الجنوبية، حيث تعيش هياكل الحزب المحلية على وقع تنافس قوي بين الزعامات الترابية حول من يحق له تمثيل الحزب في الاستحقاقات المقبلة. ورغم أن هذه الخلافات ليست جديدة على حزب الاستقلال، فإنها تكتسي هذه المرة طابعا أكثر حساسية بالنظر إلى ضيق الوقت الفاصل عن موعد الاقتراع، وصعوبة احتواء الغاضبين بعد الإعلان عن اللوائح النهائية.
وتكشف التحركات التي تعرفها بعض الفروع المحلية أن الحزب يسعى إلى تحصين معاقله الانتخابية في مواجهة منافسة قوية من الأحزاب الأخرى، غير أن هذا المسعى يصطدم أحيانا بحسابات محلية يصعب التوفيق بينها وبين التوجهات المركزية، وهو ما ينذر بإمكانية اتساع رقعة الخلافات خلال الأسابيع المقبلة.
وفي خضم هذه التحديات، يجد الأمين العام للحزب، نزار بركة، نفسه أمام اختبار سياسي وتنظيمي معقد. فمن جهة، يواجه مسؤولية إدارة ملف التزكيات بطريقة تحافظ على وحدة الحزب وتحد من الانشقاقات المحتملة، ومن جهة أخرى يسعى إلى استعادة الزخم السياسي في ظل الجدل الذي رافق خلال الأشهر الماضية اقتناءه عقارا أثار نقاشا واسعا في الساحة السياسية والإعلامية.
ورغم توضيحات صدرت من مقربين منه بشأن طريقة أداء ثمن العقار، فإن الجدل ترك، بحسب متابعين، أثرا على صورة الأمين العام في مرحلة يسعى فيها إلى تقديم نفسه كأحد أبرز المرشحين لقيادة الحكومة المقبلة.
وفي المقابل، لم تنجح المشاركة الحكومية للحزب، وفق تقديرات عدد من المراقبين، في التحول إلى رصيد انتخابي واضح. فباستثناء بعض المبادرات القطاعية، ظل حضور عدد من وزراء الحزب محدودا في النقاش العمومي، الأمر الذي جعل حصيلة الاستقلال داخل الأغلبية أقل بروزا مقارنة بحلفائه.
وتشير معطيات متداولة إلى أن ملاحظات سجلت بشأن تركيز بعض المسؤولين الحكوميين المنتمين للحزب على التحضير للاستحقاقات الانتخابية والعمل التنظيمي، أكثر من انشغالهم بتدبير ملفات قطاعاتهم، وهو ما قد ينعكس على الصورة العامة للحزب خلال الحملة الانتخابية.
وتزداد أهمية هذه التحديات بالنظر إلى موقع حزب الاستقلال في الخريطة السياسية، بعدما احتل المرتبة الثالثة في انتخابات 2021 بحصوله على 81 مقعدا. ولذلك فإن أي اضطراب داخلي أو فقدان لعدد من أعيانه قد يؤثر على رهانه في تحسين نتائجه، ويمنح منافسيه فرصة اختراق معاقل انتخابية ظل الحزب يحتفظ بها لسنوات.
وبين صراع التزكيات، وضغوط القيادات المحلية، والرهان على تحسين الحصيلة الحكومية، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة بالنسبة إلى حزب الاستقلال، الذي سيكون مطالبا بإدارة خلافاته الداخلية بكثير من التوازن، إذا أراد الحفاظ على تماسكه التنظيمي وخوض الانتخابات بصف موحد، في معركة قد تحدد موقعه داخل المشهد السياسي خلال السنوات المقبلة.









































