يمر عبر مضيق جبل طارق كل سنة نحو ستة ملايين شخص، أكثر من نصفهم خلال فصل الصيف، في إطار تنقلات أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج نحو أرض الوطن. ومع هذا الحجم الاستثنائي من الحركة، تحولت عملية “مرحبا” إلى واحدة من أكبر عمليات العبور الموسمية عبر البحر الأبيض المتوسط، وإلى نموذج تنظيمي يجمع بين التنسيق المؤسساتي والتخطيط الاستباقي والخدمات الاجتماعية واللوجستية.
وخلال ستة وعشرين عاماً، تطورت العملية من ترتيبات تقتصر على تنظيم السفر إلى منظومة متكاملة تستند إلى تعبئة آلاف الموارد البشرية، وتطوير البنيات التحتية، وتنسيق دائم بين مختلف المتدخلين، بما يسمح باستيعاب التدفقات القياسية للمسافرين وضمان عبورهم في أفضل الظروف الممكنة.
شبكة استقبال تمتد بين المغرب وأوروبا
تتواصل عملية “مرحبا” خلال سنة 2026 من 10 يونيو إلى 15 شتنبر، معتمدة على شبكة تضم 20 فضاءً للاستقبال داخل المغرب وستة مراكز بالخارج، موزعة بين فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وتشمل موانئ سيت ومرسيليا، وجنوة، والجزيرة الخضراء وألميريا وموتريل، التي تشكل أبرز نقاط انطلاق الجالية المغربية نحو المملكة.
وتشتغل هذه المراكز على مدار الساعة طيلة أيام الأسبوع، مدعومة بالرقم الأخضر 0800002323 لتوجيه المسافرين والإجابة عن استفساراتهم، إلى جانب مكتب مركزي للتنسيق يتابع سير العملية ويتدخل عند الحاجة لضمان انسيابية العبور.
أكثر من ألف إطار لمواكبة المسافرين
ترتكز العملية على تعبئة بشرية واسعة تضم 216 طبيباً وإطاراً شبه طبي ومتعاوناً، إضافة إلى 1134 مساعدة ومساعداً اجتماعياً موزعين على مختلف المعابر وفضاءات الاستقبال.
ولا يقتصر دور هذه الفرق على تقديم الإسعافات الأولية، بل يشمل أيضاً التوجيه والمواكبة الاجتماعية، ومساعدة كبار السن والأطفال والأشخاص في وضعية هشاشة، فضلاً عن تسهيل مختلف الإجراءات الإدارية والتنظيمية، خاصة خلال فترات الذروة.
نحو 1.9 مليون وافد في أقل من شهرين
تكشف معطيات عملية “مرحبا” إلى غاية 20 يوليوز 2026 عن وصول 1,862,609 من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، بزيادة بلغت 1.04 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
واستقبل ميناء طنجة المتوسط وحده 923,968 مسافراً، أي ما يقارب نصف إجمالي الوافدين بنسبة 49.61 في المائة، بينما توزع باقي المسافرين، وعددهم 938,641 شخصاً، على مختلف المعابر الوطنية الأخرى، ما يؤكد استمرار الميناء باعتباره البوابة الرئيسية لعبور الجالية.
آلاف الخدمات الاجتماعية والطبية
إلى جانب تنظيم حركة العبور، قدمت فرق عملية “مرحبا” أكثر من 21 ألف خدمة للمساعدة الاجتماعية، شملت التوجيه والمواكبة والتدخل لفائدة المسافرين.
كما جرى تسجيل 2,417 تدخلاً طبياً وإسعافياً، فضلاً عن 3,609 خدمات قانونية ولوجستية، وأكثر من 14 ألف خدمة إضافية للمواكبة والدعم، وهو ما يعكس البعد الإنساني للعملية إلى جانب بعدها التنظيمي.
طنجة المتوسط.. محور العبور الأكبر
يعتمد ميناء طنجة المتوسط على تجهيزات واسعة لاستيعاب التدفقات الصيفية، إذ يضم تسعة أرصفة لاستقبال السفن، وعشرين شباكاً للتسجيل، وعشرة أكشاك لخدمة المسافرين، إضافة إلى ثلاثة آلاف موقف للسيارات وأربعة أجهزة سكانير متنقلة لتسريع عمليات المراقبة.
كما يوفر الميناء مخزوناً احتياطياً من المواد الغذائية ومياه الشرب، وخمس نقاط ثابتة للتوزيع مدعومة بفرق متنقلة، إلى جانب تجهيزات خاصة لمواكبة الأسر والأشخاص في وضعية هشاشة خلال فترات الانتظار.
تنسيق مؤسساتي متواصل
ترتكز العملية على تنسيق دائم بين مؤسسة محمد الخامس للتضامن، وإدارة ميناء طنجة المتوسط، والمديرية العامة للأمن الوطني، وإدارة الجمارك، ومديرية الملاحة التجارية، والسلطات المحلية، وشركات النقل البحري، إلى جانب الفرق الميدانية.
ويشمل هذا التنسيق تنظيم حركة المرور داخل الموانئ، وتدبير عمليات الصعود إلى السفن، وتوفير المعلومات للمسافرين، والتدخل الطبي والاجتماعي عند الحاجة، مع اعتماد مركز قيادة يعمل باستمرار لمتابعة تطورات العملية والتعامل الفوري مع أي مستجدات.
التخطيط المسبق مفتاح النجاح
تعتمد عملية “مرحبا” على مقاربة استباقية تقوم على توقع حجم التدفقات، وتوزيع حركة المسافرين بين مختلف الموانئ، واعتماد أنظمة حجز وتذاكر تقلص الضغط خلال فترات الذروة، مع توفير معلومات آنية حول حركة العبور.
وتشير الأرقام المسجلة حتى الآن إلى أن العملية أصبحت نموذجاً متكاملاً يجمع بين الكفاءة التنظيمية والخدمات الإنسانية، في وقت تستعد فيه لاستقبال مزيد من الوافدين خلال الأسابيع التي تعرف تقليدياً أعلى مستويات حركة السفر.
إجراءات موازية في الضفة الإسبانية
على الجانب الإسباني، اعتمدت سلطات ميناءي الجزيرة الخضراء وطريفة نظام التذاكر ذات الموعد المحدد للحد من الاكتظاظ، بعدما كانت المركبات غير الحاصلة على حجوزات مسبقة تتسبب في اختناقات مرورية خلال مواسم الذروة.
كما تمت تعبئة نحو 1400 شخص للإشراف على العملية، مع تخصيص ميزانية تقارب مليوني يورو، ورقمنة مختلف الإجراءات، وتجهيز الباحة اللوجستية المرتبطة بميناءي طنجة بطاقة استيعابية تصل إلى 13 ألف سيارة.
ورغم هذه الإجراءات، واجهت العملية خلال الموسم الحالي ضغطاً إضافياً نتيجة تراجع الإقبال على النقل الجوي بفعل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، ما دفع عدداً أكبر من المسافرين إلى اختيار النقل البحري، في وقت تستغرق فيه عمليات تفتيش الحافلات زمناً أطول بسبب الإجراءات الأمنية الخاصة بها، الأمر الذي فرض استمرار التنسيق الميداني للحفاظ على انسيابية العبور بين ضفتي المضيق








































