دخل مجلس المنافسة على خط الجدل الدائر حول مشروع قانون مهنة المحاماة، بعدما أصدر رأيا تضمن حزمة من التوصيات الداعية إلى مراجعة عدد من المقتضيات الأساسية الواردة في النص، معتبرا أن إصلاح المهنة ينبغي أن يتجاوز التعديلات القانونية التقنية ليشمل إعادة بناء منظومة الخدمات القانونية بما يضمن استقلالية المحامي ويعزز المنافسة وجودة الخدمات المقدمة للمتقاضين.
وأكد المجلس أن تحديث مهنة المحاماة يقتضي اعتماد مقاربة إصلاحية متدرجة تجمع بين تعديلات آنية على مشروع القانون الحالي وإصلاحات هيكلية بعيدة المدى، لمعالجة الاختلالات التي ما تزال تؤثر في تنظيم المهنة وسوق الخدمات القانونية.
وشدد المجلس على ضرورة تحقيق توازن بين حماية استقلالية المحامي باعتباره أحد أعمدة منظومة العدالة، وبين الانفتاح على قواعد المنافسة الاقتصادية الحديثة، بما يساهم في تطوير السوق القانونية وتحسين جودة الخدمات وتعزيز النجاعة لفائدة المواطنين والمقاولات.
ومن أبرز التوصيات التي وردت في الرأي، الدعوة إلى تنظيم مباريات الولوج إلى المهنة بشكل سنوي ومنتظم، بدل الفترات المتباعدة التي قد تمتد إلى ثلاث سنوات، بما يضمن استمرارية تجديد الموارد البشرية ومواكبة التحولات التي يعرفها قطاع الخدمات القانونية.
كما أوصى المجلس بإلغاء شرط تحديد السن الأقصى في 45 سنة لولوج المهنة، معتبرا أن هذا الشرط يحرم المحاماة من استقطاب كفاءات راكمت خبرات قانونية ومهنية في مجالات مختلفة، ولا ينسجم مع عدد من التجارب المقارنة.
وفي السياق نفسه، دعا إلى اعتماد مسارات أكثر مرونة لولوج بعض الفئات التي تتوفر على خبرة قانونية، من بينها أطر الإدارات العمومية وموظفو كتابة الضبط والمستشارون القانونيون بالمقاولات، من خلال نظام يعتمد إعفاءات جزئية من بعض شروط الولوج، مقابل إخضاعهم لاختبارات للكفاءة والتفرغ الكامل لممارسة المهنة، بما يضمن استقلاليتهم ويمنع تضارب المصالح.
ولم تقتصر ملاحظات مجلس المنافسة على شروط الولوج، بل امتدت إلى نظام المساعدة القضائية، الذي اعتبر أنه ما يزال يطرح إشكالات مرتبطة بالشفافية وتكافؤ الفرص بين المحامين.
وأشار المجلس إلى أن غياب معايير واضحة وموحدة في توزيع ملفات المساعدة القضائية قد يؤدي إلى تركيز عدد كبير من القضايا لدى مكاتب محددة، مقابل حرمان محامين آخرين، خصوصا الشباب، من الاستفادة منها، وهو ما ينعكس على المنافسة داخل سوق الخدمات القانونية.
ولتجاوز هذه الاختلالات، أوصى المجلس باعتماد نظام إلكتروني أوتوماتيكي لتوزيع ملفات المساعدة القضائية، يقوم على معايير موضوعية وتناوبية معلنة مسبقا، بما يضمن المساواة بين المحامين، ويعزز الحكامة والشفافية في تدبير الأموال العمومية المخصصة لهذا الورش.
ورأى المجلس أن استمرار الوضع الحالي قد يفضي إلى حصول بعض المكاتب على موارد مالية عمومية بشكل غير متوازن، بما يمنحها أفضلية اقتصادية تسمح لها بتغطية جزء من مصاريفها الثابتة وتقديم خدمات بأتعاب أقل في ملفات أخرى، وهو ما قد يؤثر على قواعد المنافسة بين المهنيين.
واعتبر مجلس المنافسة أن إصلاح مهنة المحاماة لم يعد رهانا تشريعيا فقط، بل أصبح ورشا استراتيجيا يقتضي إعادة النظر في النموذج الاقتصادي والتنظيمي للمهنة، بما يمكنها من مواكبة التحولات التي يعرفها قطاع الخدمات القانونية، وترسيخ معايير الكفاءة والتخصص، وتحقيق التوازن بين استقلالية المحاماة ومتطلبات الانفتاح الاقتصادي واحترام قواعد المنافسة.
ويأتي هذا الرأي في ظل استمرار الجدل الذي يرافق مشروع قانون المحاماة، والخلاف القائم بين عدد من الهيئات المهنية ووزير العدل عبد اللطيف وهبي، ليضيف بعدا جديدا إلى النقاش حول أحد أكثر مشاريع القوانين إثارة للنقاش خلال الفترة الأخيرة.









































