لم يكن الإعلان عن نسبة المشاركة الأولية في الانتخابات التشريعية الجزائرية، البالغة 20.79 في المائة وفق السلطات، مجرد معطى انتخابي، بل فتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة العلاقة بين الناخب الجزائري والمؤسسات السياسية، في استحقاق يأتي بعد سنوات من التحولات التي شهدتها البلاد منذ الحراك الشعبي في عام 2019.
وإذا ما تأكدت هذه النسبة مع إعلان النتائج النهائية، فإنها ستكون، وفق المقارنات مع الاستحقاقات السابقة، من بين أدنى نسب المشاركة في الانتخابات التشريعية منذ الاستقلال، بعدما سجلت انتخابات عام 2021 مشاركة بلغت نحو 23 في المائة.
ورغم قرار السلطات تمديد فترة الاقتراع لمدة ساعة إضافية، إلى جانب الدعوات الرسمية المتكررة لحث المواطنين على التوجه إلى مكاتب التصويت، أظهرت مشاهد تداولتها وسائل إعلام محلية ودولية مراكز اقتراع محدودة الإقبال في عدد من المناطق، خصوصاً في العاصمة، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش بشأن استمرار العزوف الانتخابي في البلاد.
ويرى عدد من الباحثين في الشأن المغاربي أن قراءة هذه المؤشرات من زاوية الأرقام وحدها قد لا تكون كافية، إذ يعكس الإقبال على التصويت، في نظرهم، عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية تراكمت خلال السنوات الأخيرة، من بينها الضغوط المعيشية وارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب تصورات لدى شريحة من المواطنين بشأن محدودية تأثير المؤسسات المنتخبة في صناعة القرار أو معالجة الأوضاع الاقتصادية.
ويشير متابعون إلى أن التحدي لا يرتبط فقط بمستوى المنافسة بين الأحزاب، وإنما أيضاً بمدى قدرة الطبقة السياسية على استعادة ثقة الناخبين. فالأحزاب التقليدية، سواء المحسوبة على السلطة أو المعارضة، تواجه منذ سنوات انتقادات تتعلق بضعف تجديد خطابها السياسي أو تقديم بدائل تحظى بإجماع أوسع داخل المجتمع، وهو ما انعكس، بحسب مراقبين، على مستويات التعبئة خلال الحملة الانتخابية.
ويأتي ذلك في سياق نظام سياسي يرى محللون أنه لا يزال يتسم بتداخل أدوار عدد من المؤسسات في إدارة الشأن العام. فمنذ انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون أواخر عام 2019، تؤكد السلطات أن مؤسسات الدولة تعمل وفق مقتضيات الدستور، بينما تعتبر أطراف معارضة أن مراكز التأثير السياسي لا تقتصر على المؤسسات المنتخبة، وهو ما تقول إنه يؤثر في ثقة جزء من الناخبين بقدرة الانتخابات على إحداث تغيير ملموس.
ويستحضر هذا النقاش أيضاً إرث الحراك الشعبي الذي انطلق في فبراير 2019، عندما خرج مئات الآلاف من الجزائريين مطالبين بإصلاحات سياسية عميقة وتغيير أسلوب إدارة الدولة. ورغم أن تلك الاحتجاجات أسهمت في إنهاء حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، فإن تقييم مخرجاتها لا يزال محل تباين؛ إذ ترى السلطات أنها دشنت مساراً للإصلاح المؤسساتي، في حين يعتبر معارضون وباحثون أن عدداً من المطالب الأساسية للحراك لم يتحقق بالشكل الذي كان يطمح إليه المحتجون.
وخلال السنوات الأخيرة، أثارت منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود، تقارير بشأن أوضاع الحريات السياسية والإعلامية في الجزائر، متحدثة عن قيود طالت نشطاء وصحافيين ومعارضين. وفي المقابل، تؤكد السلطات الجزائرية أنها تطبق القانون، وترفض ما تصفه بـ”التقارير غير الموضوعية” التي لا تعكس، بحسبها، واقع البلاد.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية تتجاوز بعدها الانتخابي، لتتحول إلى مؤشر يُستخدم في قياس مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية. وبغض النظر عن النتائج التي ستسفر عنها عملية الاقتراع، فإن التحدي الأبرز، وفق عدد من المحللين، سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على استعادة اهتمام الناخبين وتعزيز المشاركة في الحياة العامة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد








































