لم يكن التحول الذي شهدته كرة القدم المغربية مجرد طفرة في النتائج، بل هو تغيير جذري في الذهنية، في طريقة التفكير، وفي الهدف من كل مشاركة. فبعد سنوات كنا نرضى فيها بالقليل ونصفّق للأداء حتى في غياب الانتصار، أصبح الفوز هو اللغة الوحيدة التي يتحدث بها اللاعبون والمشجعون والمسؤولون على حد سواء.
البداية كانت من مونديال قطر 2022، حين صنع “أسود الأطلس” التاريخ وبلغوا نصف النهائي في إنجاز غير مسبوق عربياً وإفريقياً. يومها قال وليد الركراكي عبارته الشهيرة: “خصك تحلم باش توصل”. ومنذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء؛ لم يعد مقبولاً أن نشارك لنُمثّل فقط، بل أصبح الهدف هو الظفر بكل بطولة نشارك فيها.
أجيال صاعدة بعقلية الكبار
منتخب أقل من 17 سنة، الذي اكتفى بالوصافة في كأس إفريقيا 2023، عاد بعد عامين ليفرض نفسه بطلاً للقارة سنة 2025، ويستعد اليوم لخوض مونديال جديد بعزيمة المنتصرين.
أما منتخب أقل من 20 سنة، الذي غاب عن النسخة السابقة من “الكان”، فقد عاد هذا العام بقوة وبلغ النهائي، ورغم خسارة اللقب لم يتقبل اللاعبون الهزيمة، وبكاؤهم كان دليلاً على شدة الطموح. حينها قال فوزي لقجع في كلمته الشهيرة للاعبين: “لم يعد مسموحاً لكم بتقبّل الخسارة، هدفكم الدائم هو الفوز.” واليوم يقف هذا الجيل على أعتاب إنجاز تاريخي جديد في مونديال الشباب.
الأولمبي والمحلي والفوتسال.. منظومة واحدة بثقافة واحدة
المنتخب الأولمبي مثال آخر على هذا التحول. فبعد غيابه عن أولمبياد ريو 2016 وطوكيو 2020، عاد بقوة تحت قيادة الشرعي، تُوّج بكأس إفريقيا، ثم حقق برونزية أولمبياد باريس مع السكتيوي، ليثبت أن النجاح بات قاعدة لا استثناء.
المنتخب المحلي بدوره يفرض هيمنته في بطولة “الشان”، فيما أصبح منتخب الفوتسال رقماً صعباً على المستوى العالمي بعد سيطرته القارية لسنوات متتالية.
الأندية والمشجعون.. العدوى الإيجابية
لم يتوقف التغيير عند المنتخبات فقط، فحتى الأندية الوطنية استوعبت الدرس. بعد سنوات كان فيها الوصول إلى دور المجموعات إنجازاً، أصبحت التتويجات القارية جزءاً من المشهد المعتاد في الكرة المغربية.
أما المشجع المغربي، فقد تبدلت نظرته هو الآخر؛ لم يعد التأهل إلى كأس العالم سبباً كافياً للاحتفال، بل أصبح الجمهور ينتظر الأداء والنتائج الكبيرة، مؤمناً بأن مكان المغرب بين الكبار، لا على هامشهم.
عقلية الانتصار.. سر التحول المغربي
الرهان اليوم لم يعد على موهبة لاعب أو خطة مدرب، بل على عقلية الفوز التي تجذّرت في المنظومة الكروية بأكملها: من أصغر الفئات السنية إلى كبار المنتخب الوطني.
لقد أصبح المغرب اليوم اسماً كبيراً في خريطة كرة القدم العالمية، نموذجاً في الطموح والانضباط والعمل المتواصل.
في بلد يعشق كرة القدم كما تعشقه الكرة، يبدو المستقبل أكثر إشراقاً، ما دامت عقلية الانتصار قد أصبحت جزءاً من الهوية المغربية.









































