يشهد قطاع التعليم العالي بالمغرب وضعا متأزما غير مسبوق، نتيجة تراكم سنوات من التجاهل الحكومي لمطالب شغيلة القطاع، وتنامي مظاهر الفساد والزبونية، في ظل غياب رؤية إصلاحية شاملة تضمن الكرامة المهنية وتحقيق العدالة الاجتماعية لفئات الموظفين الإداريين والتقنيين والعاملين في الأحياء الجامعية. وقد عبّرت النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عن بالغ قلقها إزاء ما وصفته بحالة “الاحتقان المفتوح” التي يعيشها القطاع، محملة الوزارة الوصية كامل المسؤولية عما قد تؤول إليه الأوضاع خلال الموسم الجامعي المقبل.
في بيان ناري، نددت النقابة بما وصفته بمواصلة الحكومة سياسة التهميش والتسويف الممنهج تجاه المطالب العادلة والمشروعة لموظفي التعليم العالي، وعلى رأسها إصدار نظام أساسي منصف وعادل، يُنهي عقودا من الحيف والتفاوتات المجحفة. وسجلت النقابة، بمرارة، النقص المهول في الموارد البشرية، سواء على مستوى الإداريين أو التقنيين، مما يثقل كاهل العاملين الحاليين ويُفرغ المؤسسات الجامعية من الكفاءات الأساسية التي تؤمن استمرارية العمل داخل الحرم الجامعي.
وأشارت النقابة إلى أن الوزارة بدل أن تنفتح على حوار مسؤول ومثمر، لجأت إلى نهج سياسة صم الآذان، ومحاربة العمل النقابي الجاد، والتعامل بمنطق انتقائي ومزاجي مع الممثلين الحقيقيين للشغيلة، في تكريس لمنطق الكيل بمكيالين وغياب تام للشفافية والوضوح. واستنكرت استمرار تهميش النقابات المناضلة التي ظلت ترفع صوت الموظف البسيط وتدافع عن حقوقه دون مساومة، مؤكدة أن الحكومة تتهرب من الالتزامات وتتعمد تهميش المطالب الأساسية خدمة لأجندات لا تعكس مصلحة المرفق العمومي ولا مصلحة المواطن.
وفي سياق الاحتجاجات المتواصلة، دعت النقابة إلى الدخول في معارك نضالية متصاعدة، سيتم تسطير برنامجها النضالي مع انطلاق الموسم الجامعي الجديد، ويتضمن خطوات غير مسبوقة في التصعيد، من بينها مقاطعة الدخول الجامعي وتنظيم وقفات احتجاجية مصحوبة بإضرابات قطاعية، سعيا للضغط على الحكومة من أجل فتح حوار فوري يضم كافة المعنيين، لإخراج النظام الأساسي من رفوف الانتظار إلى واقع التنفيذ.
جدير بالذكر أن ملف النظام الأساسي ظل لسنوات طويلة أحد أبرز مطالب النقابات في قطاع التعليم العالي، إذ تطالب به شريحة واسعة من الموظفين لتقنين وضعيتهم المهنية والمالية، ووضع حد لحالة التمييز والفوارق بين الموظفين داخل نفس القطاع. وكانت عدة لجان تقنية قد شُكلت خلال السنوات الماضية لدراسة الملف، إلا أن معظمها لم يفضِ إلى نتائج ملموسة بسبب غياب الإرادة السياسية، كما يقول الفاعلون النقابيون.
ويأتي هذا التصعيد الجديد في ظل توتر عام تشهده علاقة النقابات التعليمية بالحكومة، إذ سبق للنقابة الوطنية للتعليم العالي أن خاضت بدورها إضرابات متكررة بسبب تعثر الحوار مع الوزارة بشأن النظام الأساسي للأساتذة الباحثين. كما لا يخفى أن الحكومة الحالية، منذ تنصيبها، واجهت انتقادات متزايدة من مختلف النقابات القطاعية بسبب ما تعتبره تلك الهيئات “تراجعا عن المكتسبات، ومحاولة تمرير إصلاحات هيكلية دون إشراك فعلي للنقابات”.
وفي جانب آخر، عبّرت النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي عن موقفها الثابت من القضايا الوطنية والدولية، مجددة إدانتها الشديدة للجرائم الإسرائيلية المرتكبة في قطاع غزة، ومؤكدة رفضها المطلق لجميع أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، خصوصا على المستوى الأكاديمي، حيث نددت بما اعتبرته محاولات حثيثة لاختراق المؤسسات الجامعية المغربية عبر التعاون الأكاديمي مع جامعات إسرائيلية، وهو ما يشكل خطرا على سيادة القرار الوطني واستقلالية الجامعة المغربية، حسب تعبير البيان.
بهذا الموقف، تكون النقابة قد وضعت الحكومة أمام اختبار حقيقي مع بداية الدخول الجامعي، خاصة وأن هذا التصعيد يأتي في وقت حساس يتزامن مع تحديات متعددة تعيشها الجامعة المغربية، منها الاكتظاظ، وضعف الموارد، والارتباك في تنزيل بعض البرامج الإصلاحية، مما يُنذر بموسم جامعي متوتر، ما لم تتحرك الوزارة لإعادة فتح باب الحوار الجدي والمنتج، والقطع مع سياسة التجاهل والمراوغة.










































