شهدت أسعار المحروقات في المغرب خلال منتصف شهر مارس 2026 ارتفاعاً وُصف بـ”الصاروخي”، بعدما أقدمت محطات الوقود على زيادة أثمان البنزين والغازوال بحوالي 20 في المائة دفعة واحدة، وهو ما خلف موجة استياء واسعة في صفوف المواطنين، خاصة السائقين المهنيين والفاعلين في قطاع النقل. هذه الزيادة، التي تجاوزت درهمين للتر الواحد، جاءت في ظرفية اقتصادية صعبة، ما ينذر بانعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة.
وفي هذا السياق، وجّه عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، سؤالاً كتابياً إلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي، عبّر فيه عن استغرابه من التبريرات التي تقدمها شركات المحروقات، والتي تربط الزيادات بارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية نتيجة التوترات والحرب الدائرة في الشرق الأوسط. واعتبر بوانو أن هذا التبرير “غير منطقي”، خصوصاً أن الوزارة نفسها أكدت في وقت سابق من شهر مارس أن المخزون الوطني من المحروقات في وضعية “جد جيدة”، ويتجاوز 30 يوماً.
وأوضح المسؤول البرلماني أن اندلاع الحرب في الشرق الأوسط سبق الزيادات بنحو 18 يوماً، ما يعني، بحسب منطقه، أن الكميات المخزنة تم اقتناؤها قبل ارتفاع الأسعار عالمياً، وبالتالي كان من المفترض الحفاظ على نفس الأسعار إلى حين نفاد هذا المخزون. واعتبر أن التعجيل بالزيادات يطرح تساؤلات حقيقية حول كيفية تدبير السوق، ومدى احترام قواعد المنافسة، خاصة أن التعديل تم بشكل متزامن في مختلف المحطات عند منتصف ليلة واحدة، وهو ما يثير شبهات حول احتمال وجود تنسيق بين الفاعلين في القطاع.
كما تساءل بوانو عن مدى بلوغ المخزون الاستراتيجي المستوى القانوني المحدد في 60 يوماً، ودور هذا المخزون في حماية السوق الداخلية من التقلبات الدولية. وطالب الحكومة بالكشف عن الإجراءات التي ستتخذها لضمان شفافية الأسعار، وإلزام شركات التوزيع باحترام أثمان البيع التي تعكس تكلفة الشراء الحقيقية، إضافة إلى اتخاذ خطوات عملية لرفع مستوى المخزون الاستراتيجي لمواجهة الأزمات.
في المقابل، يرى خبراء في قطاع الطاقة أن الارتفاع الحاد في الأسعار يجد تفسيره في التحولات العميقة التي تعرفها الأسواق الدولية، خاصة في ظل الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط. وأوضح الخبير في شؤون الطاقة الحسين اليماني أن هذه الحرب، وما رافقها من استهداف للبنيات التحتية النفطية، جعلت أسعار النفط والغاز “مرتبطة مباشرة بالتطورات العسكرية”، حيث أصبحت الأسواق تتفاعل مع منطق القوة بدل التصريحات السياسية.
وأشار اليماني إلى أن سعر برميل نفط برنت ارتفع من 73 دولاراً قبل اندلاع الحرب إلى حوالي 114 دولاراً في نهاية مارس، أي بزيادة تناهز 56 في المائة، بينما سجلت أسعار المنتجات المكررة ارتفاعاً أكبر بكثير، إذ قفز سعر طن الغازوال من 730 إلى نحو 1400 دولار، بزيادة تقارب 92 في المائة. واعتبر أن هذا الفارق الكبير يعكس الأهمية الاستراتيجية لعمليات تكرير النفط، والتي تضيف قيمة كبيرة بين الخام والمنتج النهائي.
وباحتساب سعر صرف الدرهم، أوضح أن سعر لتر الغازوال في السوق الدولية يناهز 11 درهماً، وهو ما قد يرفع السعر في السوق الوطنية إلى حدود 18 درهماً بعد إضافة الضرائب وتكاليف النقل وهوامش الربح. واعتبر أن هذا المستوى “لا يتناسب إطلاقاً مع دخل غالبية المغاربة”، محذراً من تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة في حال استمرار هذا المنحى التصاعدي.
وفي هذا الإطار، دعا اليماني إلى إعادة النظر في السياسة الطاقية للمغرب، خاصة بعد تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، معتبراً أن هذه الخطوة تزامنت مع تراجع دور الدولة في ضبط السوق، وغياب آليات فعالة لحماية المستهلك. كما شدد على ضرورة إحياء نشاط تكرير البترول، خاصة عبر إعادة تشغيل مصفاة المحمدية، لما لذلك من دور في تقليص الفارق بين الأسعار الدولية والمحلية.
واقترح الخبير جملة من التدابير لمواجهة الأزمة، من بينها تحديد سقف لأرباح شركات التوزيع، وتخفيض الضرائب على المحروقات بشكل مؤقت، واعتماد نظام “الغازوال المهني” لدعم قطاع النقل. كما دعا إلى تعزيز المخزون الاستراتيجي، وإصلاح الإطار القانوني بما يسمح للدولة بممارسة رقابة أكثر صرامة على القطاع.
وفي خضم هذه التطورات، يتزايد القلق من انعكاسات الأزمة الطاقية على التضخم والاستقرار الاجتماعي، حيث يؤكد متابعون أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات سيؤدي إلى ارتفاع عام في أسعار السلع والخدمات. وبين انتقادات المعارضة وتفسيرات الخبراء، يبقى المواطن المغربي الحلقة الأضعف في معادلة دولية معقدة، تتطلب قرارات جريئة وتوازناً دقيقاً بين متطلبات السوق وحماية القدرة الشرائية.










































