تتواصل مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة للفترة 2027-2031، وسط نقاش سياسي متزايد حول تركيبة الأغلبية، بعدما برزت تحفظات داخل عدد من الأحزاب بشأن استمرار حزب التجمع الوطني للأحرار في الحكومة.
ويضع هذا النقاش الخطاب الحزبي أمام اختبار جديد، خصوصاً بعد حملة انتخابية اتسمت بحدة التراشق بين عدد من القيادات، وفي مقدمتها قيادات الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، حيث تبادل الطرفان مواقف وانتقادات بشأن ملفات اقتصادية واجتماعية، من بينها دعم استيراد اللحوم والمواشي، إلى جانب اتهامات مرتبطة بتدبير الانتخابات واستمالة الناخبين.
وبعد تصدر الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، شرع الحزب في إجراء مشاوراته مع مختلف القوى السياسية. وفي المقابل، أعلن التجمع الوطني للأحرار مبكراً استعداده للمشاركة في الأغلبية المقبلة.
لكن خيار استمرار «الأحرار» في الحكومة لم يحظَ بقبول واضح داخل جميع الأحزاب المعنية بالمشاورات، إذ برزت تحفظات من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية، وإن بدرجات ومبررات مختلفة.
«البام».. تحفظات داخلية على استمرار «الأحرار»
سبق لفاطمة الزهراء المنصوري أن عبرت، خلال لقاء سياسي نظم في شتنبر الماضي، عن موقف شخصي متحفظ تجاه المشاركة في حكومة يقودها التجمع الوطني للأحرار، مع تأكيدها أن القرار النهائي بشأن التحالفات يعود إلى مؤسسات الحزب.
ومع انطلاق المشاورات، عاد هذا النقاش إلى الواجهة خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني للأصالة والمعاصرة، التي انعقدت السبت بالصخيرات.
وبحسب معطيات من داخل الحزب، اتجهت مداخلات عدد من الأعضاء نحو التحفظ على استمرار «الأحرار»، مستندة إلى ما اعتبره أصحاب هذا الموقف تأثيراً محتملاً لمشاركة الحزب على صورة الأغلبية المقبلة، في ضوء الانتقادات التي رافقت حضوره في الحكومة السابقة.
في المقابل، دعت مداخلات أخرى إلى ترك القرار للمنصوري وقيادة الحزب، في انتظار استكمال المشاورات وتحديد ملامح البرنامج الحكومي وتركيبة الأغلبية.
«الاستقلال».. موقف متحفظ
بدوره، ظهر تحفظ داخل حزب الاستقلال بشأن مشاركة التجمع الوطني للأحرار، خلال أشغال المجلس الوطني للحزب.
وكان الأمين العام نزار بركة قد تحدث أمام أعضاء المجلس عن معطيات قال إنه تلقاها بشأن موقف «البام» من مشاركة «الأحرار»، قبل أن يعود لاحقاً ويوضح أن المعلومات التي توصل بها لم تكن دقيقة.
ويأتي موقف الاستقلال في سياق سياسي شهد سجالاً سابقاً حول عدد من الملفات الاقتصادية، من بينها دعم استيراد اللحوم والمواشي، الذي سبق لبركة أن انتقد طريقة تدبيره، مطالباً بتوضيح أثر الدعم العمومي ومدى استفادة المواطنين منه.
«التقدم والاشتراكية» يربط المشاركة بالتركيبة
أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد ربط موقفه من المشاركة في الحكومة المقبلة بطبيعة الأغلبية التي ستتشكل وبالبرنامج الذي ستلتزم به.
وقال الأمين العام للحزب، نبيل بنعبد الله، عقب لقائه بالمنصوري، إن النقاش لا يتعلق فقط بمن سيترأس الحكومة، وإنما أيضاً بالأحزاب التي ستشكل الأغلبية المقبلة.
وبذلك، يبدو أن موقف «الكتاب» لن يُحسم بمعزل عن تركيبة الحكومة وبرنامجها، في وقت تتواصل فيه المشاورات بين المنصوري ومختلف الأحزاب.
«الأحرار» يتمسكون بموقعهم في الأغلبية
في الجهة المقابلة، أعلن التجمع الوطني للأحرار بوضوح رغبته في المشاركة في الحكومة المقبلة، مؤكداً استعداده لمواصلة العمل من موقع المسؤولية واستكمال الأوراش والإصلاحات التي يعتبرها أولوية خلال المرحلة المقبلة.
وجدد المجلس الوطني للحزب هذا التوجه، السبت، عندما فوض رئيسه محمد شوكي تدبير ملف المشاركة في الحكومة وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية.
كما عبر عدد من قيادات الحزب عن عدم رغبتهم في الانتقال إلى المعارضة. وقالت النائبة البرلمانية زينة إدحلي، عقب اجتماع المجلس الوطني، إنها لا ترى نفسها في المعارضة، مؤكدة أن الحزب اختار المشاركة في الحكومة.
واعتبرت إدحلي أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمثل محطة مهمة، معربة عن تقديرها للمنصوري ومعلنة تمسكها بخيار المشاركة.
تناقضات الحملة تعود إلى طاولة التحالفات
وبينما تتقدم مشاورات تشكيل الحكومة، تعود إلى الواجهة أسئلة سياسية أوسع حول قدرة الأحزاب على الانتقال من خطاب الحملة الانتخابية، بما حمله من انتقادات وتبادل للاتهامات، إلى منطق التحالف والتعاون داخل أغلبية واحدة.
فالمشهد الحالي يضع الأحزاب أمام معادلة دقيقة: مواقف انتخابية اتسمت بالتنافس الحاد من جهة، وحسابات تشكيل أغلبية حكومية مطالبة بالانسجام والعمل المشترك من جهة أخرى.
وبينما يتمسك «الأحرار» بخيار المشاركة، لم تُحسم بعد الصورة النهائية للأغلبية، في انتظار استكمال المنصوري مشاوراتها واتضاح ملامح البرنامج الحكومي وتركيبة الفريق الذي سيقود المرحلة المقبلة







