تشهد الأسواق المغربية منذ أشهر طويلة موجة غير مسبوقة من الغلاء طالت تقريباً جميع المواد الأساسية، من خضر وفواكه إلى لحوم وأسماك، في وقت تتزايد فيه أصوات المواطنين المطالبة بتدخل حكومي أكثر حزماً لوقف نزيف القدرة الشرائية. وبينما تتقاذف المسؤوليات بين الفاعلين الاقتصاديين والسلطات المختصة، خرجت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، لتؤكد أن الحكومة تملك “كامل الصلاحيات” لتقنين الأسعار وتسقيفها إذا استدعت الظروف ذلك.
في جلسة برلمانية، أوضحت الوزيرة أن قانون حرية الأسعار والمنافسة، الذي تم إصلاحه بشكل شامل سنة 2014 ثم تعديله سنة 2022، يتيح للحكومة التدخل لحماية المستهلك من الممارسات الاحتكارية أو المضاربات غير المشروعة. وأشارت إلى أن القانون ينص على حالتين أساسيتين يمكن فيهما فرض سقف للأسعار المواد والخدمات التي تخضع للاحتكار أو التي تستفيد من دعم الدولة حالات استثنائية تعرف ارتفاعات أو انخفاضات مفرطة في الأسعار، حيث يمكن للحكومة التدخل مؤقتاً لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة لكن هذه الإمكانية تبقى، وفق خبراء، حبراً على ورق، إذ لم يسبق للحكومة أن استعملت سلطتها في التسقيف إلا في حالات نادرة جداً، بينما يستمر المواطن في مواجهة موجات الغلاء المتتالية دون حماية فعليّة.
و ارتفعت أسعار الخضر والفواكه بشكل صاروخي، حيث تجاوز سعر الطماطم في بعض الفترات عشرة دراهم للكيلوغرام، فيما ارتفعت أسعار البطاطس والبصل والفواكه الموسمية إلى مستويات غير مسبوقة. أما اللحوم الحمراء والأسماك، فقد أصبحت خارج متناول جزء كبير من الأسر، بعدما تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من لحم الغنم 120 درهماً، في حين ارتفع ثمن السردين، الذي كان يُعتبر “سمك الفقراء”، إلى أزيد من 20 درهماً.
ويُرجع فاعلون في القطاع الفلاحي هذه الزيادات إلى تراجع الإنتاج المحلي بسبب الجفاف وارتفاع تكاليف النقل والمحروقات، بينما يؤكد آخرون أن جزءاً من المشكلة مرتبط بالمضاربات والاحتكار وضعف المراقبة في الأسواق.
و تؤكد الأرقام الرسمية أن معدل التضخم في المغرب بلغ 6,6% سنة 2022، وهو أعلى مستوى منذ عقود، قبل أن يتراجع نسبياً إلى حوالي 3,3% في 2023. غير أن هذا التراجع لم ينعكس على جيوب المواطنين، لأن أسعار المواد الغذائية تحديداً مازالت في مستويات مرتفعة.
يقول مواطن من الدار البيضاء: “حتى لو أعلنوا أن التضخم انخفض، نحن لا نشعر بذلك. كل أسبوع نذهب إلى السوق نجد الأسعار تغيّرت وصارت أغلى”.
و يرى مراقبون أن الحكومة تتعامل مع ملف الأسعار بنوع من التردد، إذ تكتفي بتبرير الغلاء بعوامل خارجية مثل تقلبات السوق الدولية أو انعكاسات التغير المناخي، دون تفعيل فعلي للأدوات القانونية المتاحة لها. ويعتبر هؤلاء أن الحديث عن الصلاحيات لا يكفي، ما لم يقترن بإجراءات ملموسة كالتسقيف المؤقت أو فرض رقابة صارمة على الوسطاء والسماسرة.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أنها اختارت مقاربة تقوم على الدعم المباشر لبعض القطاعات مثل النقل، وبرامج اجتماعية مثل “السجل الاجتماعي الموحد”، بدل الدخول في سياسة تسقيف شامل قد تؤثر، حسب قولها، على تنافسية السوق وعلى الاستثمار و هذا الوضع دفع الشارع المغربي إلى التعبير عن غضبه بطرق مختلفة، سواء عبر احتجاجات محدودة في بعض المدن أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى منابر للتنديد بـ“جشع” الوسطاء و”عجز” الحكومة. كما فتح نقاشاً سياسياً واسعاً في البرلمان، حيث تطالب المعارضة بإجراءات فورية لحماية القدرة الشرائية، بينما تدعو أحزاب الأغلبية إلى الصبر وانتظار نتائج الإصلاحات الهيكلية، أمام استمرار الغلاء، يزداد شعور المواطن بأن الحكومة عاجزة عن الوفاء بوعودها، خاصة وأن أسعار المواد الأساسية باتت تشكل هاجساً يومياً لكل أسرة. ويرى محللون أن الرهان اليوم لم يعد تقنياً أو اقتصادياً فقط، بل أصبح أيضاً رهاناً اجتماعياً وسياسياً يرتبط بمستوى الثقة في المؤسسات.










































