اكد مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الحل الوحيد الممكن لقضية الصحراء. جاء ذلك خلال لقائه في واشنطن مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستافان دي ميستورا، حيث شدّد على الموقف الواضح لواشنطن، مشيراً إلى أهمية بعثة المينورسو في الحفاظ على الاستقرار وضرورة تعزيز التنسيق الأممي قبل المناقشات المرتقبة في مجلس الأمن أواخر أكتوبر المقبل، المخصّصة لتجديد ولاية البعثة أو تعديل مهامها.
هذا الموقف الأمريكي يعكس وضوح الرؤية تجاه نزاع طال أمده لأكثر من أربعة عقود، ويأتي في وقت يزداد فيه الزخم الدبلوماسي حول ضرورة إيجاد تسوية سياسية نهائية ومتوافق عليها.
اللقاء بين بولس ودي ميستورا جاء بعد أسابيع من جولة قادته إلى الجزائر، حيث أعاد التأكيد على دعم واشنطن لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ورغم أن الأنظار كانت تتجه نحو زيارة مماثلة إلى الرباط، إلا أنها لم تتحقق لأسباب غير معلنة، ويُنظر إلى هذه التحركات باعتبارها جزءاً من دينامية دبلوماسية متجددة تقودها الإدارة الأمريكية لتسريع مسار التسوية، خاصة وأن الأمم المتحدة تواجه ضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي من أجل تجاوز مرحلة الجمود.
و مدّد مجلس الأمن الدولي ولاية بعثة المينورسو إلى غاية أكتوبر 2025، مع تكليف الأمين العام بتقديم إحاطات دورية حول مستجدات الملف وأداء البعثة. وقد شددت آخر تقارير الأمم المتحدة على أن الوضع الراهن بات “غير قابل للاستدامة”، محذرة من التداعيات الإنسانية والأمنية في المنطقة، خاصة في ظل تزايد الأزمات داخل مخيمات تندوف، حيث تعاني آلاف العائلات من نقص التمويل والخدمات الأساسية.
كما لفت التقرير إلى مخاطر مرتبطة باستمرار حالة الجمود، من قبيل استغلال التنظيمات المتطرفة للفراغ الأمني، وتنامي نشاط شبكات التهريب في الساحل والصحراء.
و موقف واشنطن يعكس قناعة بأن استقرار المغرب، عبر تسوية نهائية لقضية الصحراء، يشكل ركيزة للأمن في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. فالولايات المتحدة ترى أن استمرار النزاع يعرقل جهود مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، لذلك فهي تدفع نحو اعتماد الحكم الذاتي كخيار عملي وواقعي. فمنذ تأسيس المينورسو، اكتفت الأمم المتحدة بمراقبة وقف إطلاق النار، لكنها لم تنجح في الدفع نحو حل سياسي حقيقي. اليوم، ومع تزايد الأصوات المنتقدة لجمود العملية الأممية، يجد مجلس الأمن نفسه أمام لحظة حاسمة: إما إعادة هيكلة مقاربته أو المخاطرة بفقدان تأثيره على أحد أقدم النزاعات في القارة الإفريقية.
و المغرب لم يعد يكتفي بتثبيت موقفه، بل بات يقود سياسة هجومية دبلوماسية وتنموية إطلاق مشاريع كبرى في الأقاليم الجنوبية، خصوصاً في مجالات الطاقات المتجددة والربط الطرقي والبحريافتتاح قنصليات دولية في مدينتي العيون والداخلة، ما رسخ واقع السيادة المغربية ميدانياً و تعزيز شبكة تحالفاته مع قوى دولية وإقليمية، لتثبيت مبادرة الحكم الذاتي كمرجع وحيد للتسوية.
في المقابل، تبدو الجزائر والبوليساريو في موقف صعب. فالأزمات الإنسانية في المخيمات، وتنامي الانتقادات الدولية بشأن حقوق الإنسان وتجنيد الأطفال، قلّصت من صدقية خطاب “التحرير”. أما التهديد بالعودة إلى السلاح فلا يجد آذاناً صاغية لدى القوى الكبرى، التي ترى في أي تصعيد عسكري تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي.
و تشكل السيناريوهات المحتملة ضمن مفاوضات جديدة احتمال إطلاق جولة محادثات برعاية أممية، لكن مع أجندة واضحة تركز على الحكم الذاتي و تعديل مهام المينورسو: قد يتم توسيع دورها ليشمل قضايا حقوق الإنسان والتنمية، مما سيجعلها أداة ضغط سياسي و استمرار الجمود: وهو السيناريو الأقل تفضيلاً، لكنه سيضر بالجزائر والبوليساريو أكثر مما يضر بالمغرب، الذي يواصل تثبيت سيادته عبر التنمية والاستثمارات.
و المشهد الحالي يوضح أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي لم تعد مجرد مقترح تفاوضي، بل تحولت إلى مرجعية دولية تتقاطع حولها مواقف القوى الكبرى. وبينما تدعو واشنطن إلى تبنيها كحل وحيد، تجد الأمم المتحدة نفسها أمام لحظة فارقة: إما الدفع نحو حل سياسي واقعي يضع حداً لنزاع عمره نصف قرن، أو ترك الساحة لتوازنات إقليمية ودولية تتشكل بعيداً عنها، و يبدو أن المغرب يدخل مرحلة جديدة أكثر ثقة وقوة، مستنداً إلى دعم متزايد لسيادته على أقاليمه الجنوبية، فيما تتقلص هوامش المناورة أمام خصومه يوماً بعد يوم.









































