افتُتحت أشغال الدرس الافتتاحي حول موضوع «الإعلام والتواصل في زمن الذكاء الاصطناعي»، من إلقاء الدكتور أحمد عبادي، في سياق يتسم بتسارع التحولات التكنولوجية التي باتت تعيد رسم ملامح العمل الإعلامي والتواصلي، وتفرض أسئلة جديدة حول مستقبل المهنة وحدود توظيف التقنيات الذكية في إنتاج الأخبار والمحتويات.
ويأتي اختيار هذا الموضوع في ظل الانتشار المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، سواء في البحث عن المعلومات، أو معالجة البيانات، أو إنتاج النصوص والصور والمقاطع المرئية والصوتية، فضلاً عن تحليل اهتمامات الجمهور وتوجيه المحتوى وفق أنماط الاستهلاك الرقمي.
وسلّط الدكتور أحمد عبادي الضوء على التحولات العميقة التي يعرفها مجال الإعلام والتواصل، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه على مختلف حلقات العملية الإعلامية والتواصلية، من جمع المعطيات إلى إنتاج المحتوى ونشره وتقييم أثره.
و يطرح دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال الإعلامي تحديات مرتبطة أساساً بمصداقية المعلومة، والتحقق من مصادرها، وحماية المعطيات، ومواجهة الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة، خصوصاً مع التطور المتسارع لقدرات الأدوات القادرة على إنتاج صور وأصوات وفيديوهات يصعب أحياناً التمييز بينها وبين المحتويات الحقيقية.
كما يفتح هذا التحول نقاشاً أوسع حول مستقبل الصحافي ودوره في البيئة الرقمية الجديدة. فمع قدرة الأدوات الذكية على إنجاز عدد من المهام التقنية بسرعة كبيرة، يصبح الرهان، وفق هذا المنظور، منصباً بشكل أكبر على المهارات التي تميز العمل الصحافي المهني، وفي مقدمتها التفكير النقدي، والتحقق، والتحليل، وفهم السياقات، والقدرة على بناء الثقة مع الجمهور.
ولا تقتصر التحولات على الإعلام فقط، إذ يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى التواصل المؤسساتي والعلاقات مع الجمهور، بعدما أصبحت المؤسسات مطالبة بتطوير استراتيجيات جديدة للتفاعل مع جمهور أكثر سرعة وتنوعاً، والاستفادة من البيانات والتقنيات الرقمية لفهم انتظاراته وتحسين طرق التواصل معه.
ويطرح هذا الواقع أيضاً إشكالات أخلاقية وقانونية، خاصة فيما يتعلق بالمسؤولية عن المحتوى المنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، وضرورة التمييز بين المحتوى الذي ينتجه الإنسان والمحتوى المولّد آلياً، إلى جانب حماية حقوق الملكية الفكرية وضمان احترام الخصوصية.
ويؤكد النقاش حول «الإعلام والتواصل في زمن الذكاء الاصطناعي» أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الصحافي أو المتخصص في التواصل، بقدر ما تعيد تعريف أدواره ومهاراته. فالمستقبل يبدو متجهاً نحو نموذج يجمع بين الخبرة البشرية والأدوات الذكية، مع بقاء المسؤولية المهنية والأخلاقية في صلب العملية.
ويشكل الدرس الافتتاحي الذي ألقاه الدكتور أحمد عبادي مناسبة لفتح نقاش أوسع حول مستقبل الإعلام في ظل الثورة الرقمية، وحول قدرة المؤسسات الإعلامية والتكوينية على مواكبة هذه التحولات، وتأهيل أجيال جديدة قادرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة للإنتاج والتطوير، دون التفريط في قيم المهنة ومبادئها الأساسية.
وبقدر ما يَعِد الذكاء الاصطناعي برفع سرعة الإنتاج وتوسيع إمكانات الوصول إلى المعلومات وتحليلها، فإنه يضع الإعلام أمام مسؤولية أكبر في الحفاظ على الحقيقة والمصداقية والثقة، وهي عناصر تظل، رغم التحول التكنولوجي، أساس العلاقة بين الإعلام والجمهور.







