– بقلم : فؤاد بوجبير
باحث في علوم التدبير
(متخصص في التدبير العمومي والسياسات العمومية)
*- مقدمة : حين تكفّ الكلمة عن إنارة الواقع*
يقوم كلّ مجتمعٍ سياسي على اللغة. فالحكم السياسي هو قول، وتسمية، ووعد، وتفسير. غير أنّ الكلمة، حين تنفصل بشكلٍ دائم عن الفعل، وحين تتحوّل إلى منظومة مستقلة تُنتج شرعيتها الخاصة، تكفّ عن كونها أداة وساطة لتصبح أداة هيمنة. وفي هذا الفراغ تحديدًا تتشكّل اللوغوقراطية : نظامٌ ضمني لا يُمارَس فيه الحكم أساسًا عبر القرار أو تحويل الواقع، بل عبر السيطرة على الخطاب.
في المغرب، ترسّخت هذه الدينامية تدريجيًا في صلب الممارسة السياسية المعاصرة. فالخطاب الرسمي، كما يروّجه بعض المسؤولين السياسيين في مواقع السلطة، يميل إلى أن يحلّ محلّ الفعل العمومي الفعلي. تتكاثر الكلمات، وتتعدد السرديات، وتتراكم الوعود، في حين تستمر المؤشرات الاجتماعية، كالبطالة البنيوية، وهشاشة النسيج الإنتاجي، والفوارق المجالية، وتآكل الطبقات الوسطى، بل وتتفاقم أحيانًا. وهكذا يصبح الكذب السياسي، بعيدًا عن كونه انحرافًا فرديًا، عقلانيةً نسقية قائمة بذاتها.
يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل نقدي لظاهرة اللوغوقراطية في المغرب، لا باعتبارها خللًا أخلاقيًا لدى الفاعلين السياسيين، بل بوصفها ظاهرة سياسية وسوسيولوجية عميقة، متجذّرة في بنيات سلطة السياسيين، وفي علاقات اجتماعية، وفي أنماط معاصرة للشرعنة.
*- أولًا : اللوغوقراطية / جينالوجيا سلطة سياسية بلا تماس مع الواقع*
اللوغوقراطية ليست إفراطًا في الكلام، بل استقلالية اللغة عن الواقع. فهي تنشأ حين تتوقف اللغة عن الإحالة إلى تحوّلات قابلة للقياس، وتغدو محاكاةً للحكامة. ويستحضر هذا التحليل أطروحات عالم الاجتماع بيير بورديو حول السلطة الرمزية، حيث إن الخطاب السياسي ليس محايدًا أبدًا، بل يشكّل التصورات، ويحدّد الممكنات، ويفرض أنماط قراءة للعالم الاجتماعي.
في السياق المغربي، تتجلى هذه المنطقية في التضخم المفاهيمي لما يُسمّى بالمفاهيم الأدائية : النموذج التنموي، الدولة الاجتماعية، العدالة المجالية، تعميم الحماية الاجتماعية. وهي مفاهيم مشروعة في ذاتها، لكنها غالبًا ما تُفرغ من مضمونها بفعل غياب الترجمة العملية أو بسبب تطبيقها المجزأ من طرف السياسيين. وهكذا يصبح الخطاب غاية في حد ذاته، وستارًا لغويًا يحجب قصور السياسات العمومية.
وتستحضر هذه الوضعية أعمال الفيلسوف الفرنسي جان بودريار حول المحاكاة، حيث لا يعود الرمز يحيل إلى الواقع، بل إلى رموز أخرى، منتجًا واقعًا متخيّلًا أكثر انسجامًا من الواقع الاجتماعي نفسه.
*ثانيًا : الكذب السياسي كبنية لا كحادث عرضي*
في الأنظمة السياسية التي تعاني من ضعف آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، يتوقف الكذب عن كونه خطأً ليغدو موردًا سياسيًا. فلا يتعلق الأمر بالتضليل الظرفي، بل بالحكم عبر الغموض الدائم : وعود غير قابلة للتحقق، أرقام مجتزأة، إعلانات بلا تقييم.
وقد بيّن عالم السياسة المغربي محمد الطوزي، في هذا الصدد، أن الحياة السياسية الوطنية تتسم بتوتر دائم بين المؤسسات الشكلية والممارسات غير الرسمية. وتتموقع اللوغوقراطية تحديدًا داخل هذا الهامش، إذ تحترم أشكال الخطاب الديمقراطي، لكنها تُفرغ مضمونه النقدي. مما ينتج عن هذا الكذب البنيوي مفارقة لافتة : كلما كان الخطاب أكثر إرادوية، كلما صار الواقع الاجتماعي أكثر صمتًا في الفضاء العمومي. فاللغة السياسية لم تعد تصف المجتمع، بل تحلّ محلّه.
*- ثالثًا : اللوغوقراطية وتبديد المسؤولية السياسية*
من أخطر آثار اللوغوقراطية تمييع المسؤولية السياسية. فحين يُستبدل الفعل بالسرد، يصبح الفشل قابلًا للتأويل وإعادة الصياغة والتبرير. لا أخطاء، بل إكراهات؛ لا إخفاقات، بل موروثات أو سياقات دولية.
ويتقاطع هذا المنطق مع تحليلات الفيلسوفة و عالمة السياسة الامريكية، حنّة آرندت، حول تفاهة الشر السياسي، حيث لا تسود نية الإضرار بقدر ما يسود غياب التفكير النقدي وتحمل المسؤولية الفردية. فالمسؤول السياسي في ظل اللوغوقراطية لا يكذب دائمًا عن وعي، بل يكرر لغة مؤسساتية تعفيه من أي التزام بالنتائج.
وفي المغرب، تتعزز هذه اللامسؤولية بضعف آليات التقييم المستقل للسياسات العمومية، وبغياب العقوبات الرمزية القوية في حالات الفشل الواضح.
*- رابعًا : الآثار السوسيولوجية/التفكك، السخرية، والانسحاب المدني*
سوسيولوجيًا، تؤدي اللوغوقراطية إلى قطيعة في الرابط المدني. فالمواطن لم يعد يصدّق الخطاب السياسي، لكنه في المقابل لا يمتلك دائمًا أدوات مؤسساتية فعالة لمساءلته. وينتج عن ذلك ثلاث ردود فعل أساسية : فقدان الثقة، والسخرية، والانسحاب.
وتُظهر الأجيال الشابة، على وجه الخصوص، وعيًا ناقدًا مشوبًا بالخيبة؛ فهي تدرك الطابع الأدائي للخطاب، لكنها لم تعد تؤمن به. وهو ما يلتقي مع تحليلات الفيلسوف البولوني-البريطاني زيغمونت باومان حول الحداثة السائلة، حيث تفقد المؤسسات قدرتها على إنتاج معنى مستقر.
وهكذا تتحول المشاركة السياسية إلى فرجة أو امتناع، فيما تغدو شبكات التواصل الاجتماعي فضاءات للتندر أكثر منها ساحات للنقاش العمومي.
*- خامسًا : اللوغوقراطية وهشاشة النسيج الإنتاجي*
لا تقتصر هيمنة الخطاب على المجال السياسي، بل تمتد إلى الاقتصاد. فالنسيج الإنتاجي المغربي، المكوّن بنسبة تفوق 90% من المقاولات الصغرى والمتوسطة، يعاني من فجوة دائمة بين الإعلانات الاستراتيجية والواقع العملي. بحيث يلاحظ أن السياسات العمومية، المصاغة غالبًا بلغة تكنوقراطية طموحة، لا تصل إلى الفاعلين الاقتصاديين الحقيقيين.
وتسهم هذه القطيعة في تكريس البطالة البنيوية، وتعميق الهشاشة، وتقويض ثقة المقاولين في الفعل العمومي. وهكذا تصبح اللوغوقراطية الاقتصادية مصدرًا لهشاشة نسقية.
*- سادسًا : أزمة لغة، أزمة سياسة*
نبّه المفكر المغربي عبد الله العروي، منذ عقود، إلى أن الأزمة السياسية في المجتمعات ما بعد الكولونيالية هي بالأساس أزمة مفاهيم ووسائط. وتجسّد اللوغوقراطية المعاصرة هذه الفكرة بوضوح. فاللغة السياسية لم تعد أداة تغيير، بل عائقًا أمام التفكير النقدي. وتغدو السياسة تدبيرًا للانطباعات بدل مواجهة الواقع. غير أن مجتمعًا لا يفكّر في ذاته بوضوح، محكوم عليه بتكرار انسداداته.
*- خاتمة : استعادة المعنى في مواجهة اللفظ*
إن اللوغوقراطية في المغرب ليست مجرد إفراط بلاغي، ولا مرضًا فرديًا لدى بعض السياسيين، بل هي عرض لإختلال عميق بين القول والفعل، بين الشرعنة والمسؤولية. فالكذب السياسي، في هذا السياق، ليس حادثًا أخلاقيًا، بل نتيجة منطقية لنظام أضحى فيه التحكم السياسي عند أغلبية السياسيين اللغة بدل الواقع.
والقطيعة مع هذه المرحلة تقتضي استرجاع المعنى بإعادة وصل الخطاب بالنتائج، وتعزيز التقييم المستقل، وإعادة الاعتبار للنقد الفكري والمواطِن. لأن سياسة لا تقول الحقيقة لا تحكم، بل تُدير الوهم. وكل وهم، عاجلًا أم آجلًا، يصطدم بالواقع الاجتماعي الذي ادّعى أنه حلّ محلّه.









































