لم يعد بإمكاننا التعامل مع المراهنات الإلكترونية غير القانونية وكأنها مجرد انحراف رقمي أو هواية جانبية لبعض المهووسين بالرياضة.
نحن أمام اقتصاد موازٍ، ينمو في الظل، ويمتص السيولة الوطنية، ويحوّلها إلى أرباح خفية تهاجر إلى الخارج بلا أثر يُذكر على التنمية أو الخزينة.
منصات المراهنات هذه لم تعد تخجل من وجودها، ولم تعد تختبئ في زوايا الإنترنت المظلمة. إنها اليوم كيانات رقمية كاملة التنظيم، بخطط تسويق ذكية، وجيش من المؤثرين المحليين، واستراتيجيات مدروسة لاستقطاب الزبائن، وخاصة الشباب.
إنها لا تبيع مجرد “حلم الربح السريع”، بل تبيع الوهم المغلّف بالإثارة، بينما الواقع أن الخاسر الأكبر هو الدولة والمجتمع.
القانون المغربي واضح، والعقوبات منصوص عليها، لكن ما الفائدة من النصوص إذا كانت الأدوات التنفيذية عاجزة عن ملاحقة نشاط رقمي عابر للحدود؟ حين تتحرك الأموال عبر العملات المشفرة وتخرج من البلاد نحو ملاذات ضريبية، وحين يتم التحايل على أنظمة المراقبة بكل سهولة، فإننا لا نتحدث عن ثغرة، بل عن فجوة بحجم نظام كامل.
الأستاذ المهدي الزوات، بخبرته القانونية، يضع إصبعه على الجرح: المشكلة ليست في غياب القانون، بل في غياب القدرة الفعلية على فرضه.
هذه المنصات، وهي تحصد مئات الملايين من الدراهم سنويًا، لا تدفع ضريبة قيمة مضافة، ولا ضريبة ألعاب، ولا مساهمة اجتماعية، وكأنها تعيش في كون موازٍ لا علاقة له بالدولة التي تعمل داخل حدودها الافتراضية.
الأمر لا يتوقف عند الاقتصاد. هناك جيل من الشباب يتم دفعه، بوعي أو بدونه، إلى الإدمان على المراهنات، بما تحمله من انكسارات نفسية، وانزلاقات نحو الجريمة، وخراب مالي شخصي.
ومع كل هذا، نجد أن رد الفعل الرسمي لا يزال مترددًا، متقطع الأنفاس، أمام ظاهرة تتطلب تعبئة شاملة.
الحل لا يكمن في الشعارات، بل في إستراتيجية وطنية حقيقية: هيئة تنظيمية مستقلة بسلطات فعلية، تنسيق صارم بين مؤسسات الدولة، فتح السوق أمام مشغلين مرخصين قادرين على جذب الطلب، وحملات توعية ذكية تستهدف الفئات الأكثر عرضة للخطر.
إذا لم نتعامل مع هذا الملف بجدية، فنحن لا نخسر فقط الضرائب أو العملة الصعبة، بل نخسر معهما السيطرة على قطاع كامل يملك القدرة على التأثير في اقتصادنا، في رياضتنا، وفي عقول شبابنا. وحينها، ستكون الخسارة أكبر من أن تُقاس بالأرقام.










































