في خضم تحولات إقليمية تتسم بتصاعد التنافس وتسارع التحديات الأمنية في شمال إفريقيا، تدرس المملكة المغربية خطوات نوعية لتعزيز قدراتها الجوية، وسط تقارير تفيد بانفتاح الرباط على مفاوضات جديدة لاقتناء مقاتلات متطورة، أبرزها الأمريكية F-35 والفرنسية Rafale.
التحركات المغربية في هذا الاتجاه لا تبدو مجرد تحديث تقني للأسطول العسكري، بل تحمل بين طياتها رسائل سياسية عميقة وحسابات استراتيجية معقدة.
ففي الوقت الذي تشير فيه مصادر عسكرية إلى تقدم محتمل في مسار الحصول على F-35، تظل الخيارات الأخرى مطروحة على الطاولة، بما في ذلك الطائرات الفرنسية أو عروض بديلة من روسيا والصين، خاصة مع بروز مؤشرات على تطور الصناعات الدفاعية المحلية.
الخبير العسكري عبد الرحمان مكاوي يرى أن الصفقات من هذا النوع تخضع لمعادلة دقيقة تشمل معايير متعددة، تبدأ من سعر الطائرة وجيلها، ولا تنتهي عند شروط التشغيل والتمويل والقيود المرتبطة بالاستخدام.
ووفق مكاوي، فإن المغرب، بصفته شريكًا إستراتيجيًا لواشنطن، بات قريبًا أكثر من أي وقت مضى من الولوج إلى نادي الدول المالكة لـF-35، بعد إزالة عدد من العقبات السياسية والتقنية، رغم التكلفة العالية.
أما على الجانب الفرنسي، فلا تزال Rafale تمثل خيارًا قائمًا، وإن كان قد فقد بريقه بعض الشيء، وفق المحلل ذاته، بسبب أداء الطائرة الذي لم يرقَ إلى سقف التوقعات، إلى جانب منافسة شرسة من أطراف دولية أخرى تسعى لعرض بدائل مغرية بشروط تفضيلية.
من جهته، يسلط الخبير في العلاقات الإستراتيجية هشام معتضد الضوء على أبعاد أخرى تتجاوز الجانب العسكري، مؤكدًا أن اختيار المغرب لمقاتلة معينة لا ينفصل عن تموقعه الدبلوماسي وتحالفاته الإقليمية والدولية. فـF-35، في نظره، ليست مجرد طائرة، بل تعبير عن مستوى ثقة متقدمة مع الولايات المتحدة، بينما تمنح Rafale هامش مناورة أكبر في إطار علاقات الرباط مع باريس وبروكسل، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية مع الجار الشرقي.
ويضيف معتضد أن المغرب لا ينظر فقط إلى السماء في سباق التسلح، بل يركز أيضًا على الأرض، من خلال سعيه لبناء قاعدة صناعية عسكرية قادرة على الإنتاج الذاتي، عبر شراكات لنقل التكنولوجيا والتصنيع، مشيرًا إلى أن التعاون مع دول مثل البرازيل قد يوفر بدائل عملية وبتكلفة أقل في الأمد القصير.
وفي المحصلة، تبدو الرباط أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها الطموحات الإستراتيجية مع الاعتبارات المالية والدبلوماسية، في ظل واقع إقليمي شديد الحساسية، ومحيط دولي لا يعترف إلا بمن يحسن قراءة التوازنات وصناعة القرار في الوقت المناسب.










































