في كرة القدم، قد يكون الفوز في مباراة واحدة وليد لحظة تألق، وقد يكون بلوغ إنجاز كبير ثمرة جيل استثنائي، لكن المحافظة على سلسلة طويلة من النتائج الإيجابية لا تتحقق إلا عندما تصبح عقلية الانتصار جزءا من هوية المنتخب. وهذا ما يعيشه المنتخب المغربي اليوم، بعدما واصل كتابة فصل جديد من تاريخه بفوزه على هايتي بأربعة أهداف مقابل هدفين، مختتما دور المجموعات بأفضل صورة ممكنة.
ورغم أن النتيجة تؤكد تفوق “أسود الأطلس”، فإن ما يستحق الوقوف عنده أكثر هو الطريقة التي تعامل بها المنتخب مع مجريات المباراة. فالفريق لم يفقد هدوءه رغم صعوبة المواجهة، وأظهر مرة أخرى شخصية المنتخب الكبير القادر على العودة والتحكم في نسق اللقاء، وهي سمة لا تصنعها المهارات الفردية وحدها، بل تبنى عبر سنوات من العمل والاستقرار.
الأرقام بدورها تتحدث بلغة لا تقبل الجدل. أربعون مباراة متتالية دون هزيمة ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دليل على أن المغرب لم يعد يعيش على أمجاد مونديال قطر، وإنما نجح في تحويل ذلك الإنجاز إلى مشروع رياضي مستدام. فالمنتخب أصبح يدخل كل مباراة بعقلية المنافس على اللقب، وليس بعقلية الباحث عن المفاجأة.
كما أن هذا التطور يعكس نجاح المنظومة الكروية المغربية في الاستثمار في التكوين، ومنح الثقة للأطر التقنية، وخلق جيل يضم لاعبين يمارسون في أعلى المستويات الأوروبية، وهو ما منح المنتخب عمقا كبيرا في التشكيلة، وجعل تأثير البدلاء لا يقل أهمية عن الأساسيين.
غير أن الطريق لا يزال طويلا. فالأدوار الإقصائية تختلف تماما عن مرحلة المجموعات، حيث تقل مساحة الخطأ، وترتفع قيمة التفاصيل الصغيرة. لذلك سيكون على المنتخب المغربي أن يحافظ على التركيز نفسه، وأن يتعامل مع كل مباراة باعتبارها نهائيا مستقلا.
ما يبعث على التفاؤل أن هذا المنتخب لم يعد يخوض المباريات تحت ضغط إثبات الذات، بل أصبح يدخلها وهو يحمل ثقة فريق يعرف إمكانياته ويؤمن بقدرته على مقارعة أقوى المنتخبات. وهذا التحول الذهني قد يكون أهم مكسب حققه المغرب خلال السنوات الأخيرة.
اليوم، لم يعد الحديث عن المنتخب المغربي مرتبطا فقط بالأرقام القياسية أو النتائج الإيجابية، بل بقدرته على ترسيخ مكانته ضمن نخبة كرة القدم العالمية. وإذا واصل السير بالنسق نفسه، فإن كتابة التاريخ قد لا تتوقف عند سلسلة اللاهزيمة، بل قد تمتد إلى إنجازات أكبر تجعل الراية المغربية حاضرة بين كبار العالم لسنوات طويلة.






































