يعتبر خطاب العرش فرصة لرسم معالم مغرب المستقبل، وخطاب الليلة كان عنوانه البارز “المغرب غدا”، بعد تشخيص دقيق للواقع مبني على معطيات رقمية عملية وواقعية، وضع جلالة الملك محمد السادس معالم مغرب مختلف متميز بكونه مغرب يقوم على الإدماج والتوزيع العادل للثروة والتنمية المجالية، لكن ضرورة إنتاج الثروة عبر الانتقال إلى تنمية ترابية مندمجة ومتجذرة.
وتميز الخطاب الملكي بمنهجية جديدة للغاية، يرتكز أساسا على تشخيص الواقع، وتثمين المنجزات، والاعتراف بالنقائص وطرح حلول عملية لها، لأن المغرب ليس أمامه كثيرا من الوقت لتحقيق مزيد من الإنجازات.
فالإنجازات التي حققتها بلادنا لم تكن وليدة الصدفة، وإنما هي نتيجة رؤية بعيدة المدى، وصواب الاختيارات التنموية الكبرى، والأمن والاستقرار السياسي والمؤسسي، الذي ينعم به المغرب، وهي بالجملة نتيجة رؤية ملكية مبنية على استشراف المستقبل وبناء الأسس المتينة للانطلاق نحو الآفاق المتعددة.
وتأتي هذه الثمار من خلال الحرص على تعزيز مقومات الصعود الاقتصادي والاجتماعي، طبقا للنموذج التنموي الجديد، وبناء اقتصاد تنافسي، أكثر تنوعا وانفتاحا؛ وذلك في إطار ماكرو – اقتصادي سليم ومستقر. ورغم توالي سنوات الجفاف، وتفاقم الأزمات الدولية، حافظ الاقتصاد الوطني على نسبة نمو هامة ومنتظمة، خلال السنوات الأخيرة.
وهيّأ المغرب بنياته ليكون أرضا تمنح الفرص، كما رسم مسارة كدولة صاعدة، تتميز بالاستقرار مما يجعلها أرضا خصبة للاستثمارات من مختلف الآفاق، وفي هذا الصدد عرف المغرب في السنوات الأخيرة نهضة صناعية غير مسبوقة، حيث ارتفعت الصادرات الصناعية، منذ 2014 إلى الآن، بأكثر من الضعف، لاسيما تلك المرتبطة بالمهن العالمية للمغرب.
لقد اقتحم المغرب مجموعة من الصناعات، وعلى رأسها، قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية والسياحة، وبفضل هذه التوجهات الاستراتيجية، تم تحويل هذه الصناعات إلى رافعة أساسية للاقتصاد المغربي الصاعد، سواء من حيث الاستثمارات، أو خلق فرص الشغل.
وبما أن المغرب أصبح أرضا للفرص، يتميز بتعدد وتنوع شركائه، باعتباره أرضا للاستثمار، وشريكا مسؤولا وموثوقا، حيث يرتبط الاقتصاد الوطني، بما يناهز ثلاثة ملايير مستهلك عبر العالم، بفضل اتفاقيات التبادل الحر. كما يتوفر المغرب اليوم، على بنيات تحتية حديثة ومتينة، وبمواصفات عالمية.
وفي تشخيص دقيق للواقع المغربي اعتبر جلالته أنه لن يكون راضيا عن مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، مهما بلغ مستواها إذا لم تساهم، بشكل ملموس، في تحسين ظروف عيش المواطنين، من كل الفئات الاجتماعية، وفي جميع المناطق والجهات. ولهذا تتجدد دعوة جلالته لمغرب الإدماج عبر مسارات متعددة وإلى توزيع عادل للثروة وتنمجية مجالية، باعتبار أن التقدم لا معنى له إن لم يكن مشتركا، وفي كل مكان ويشارك فيه الجميع.
وهذا التشخيص دفع جلالته إلى إطلاق عصر جديد من برامج التنمية الترابية قصد إطلاق نهضة المغرب على جميع الأصعدة، التي بمقدورها أن تدخل المغرب نادي الدول الصاعدة، بفضلها تجاوز المغرب، هذه السنة، عتبة مؤشر التنمية البشرية، الذي يضعه في فئة الدول ذات “التنمية البشرية العالية”.
لكن ذلك لا يمنع من أن هناك بعض المناطق، لاسيما بالعالم القروي، تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية. وهو ما لا يتماشى مع تصور جلالته لمغرب اليوم، ولا مع الجهود المبذولة في سبيل تعزيز التنمية الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية. إذ لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين، كما قال جلالته.
وكل ذلك يتطلب نقلة حقيقية، تقوم على التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومن هنا تأتي دعوة جلالته إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية، إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة، حتى تشمل ثمار التقدم والتنمية كل المواطنين، في جميع المناطق والجهات، دون تمييز أو إقصاء.
وتقوم هذه البرامج، على توحيد جهود مختلف الفاعلين، حول أولويات واضحة، ومشاريع ذات تأثير ملموس، تهم دعم التشغيل، عبر تثمين المؤهلات الاقتصادية الجهوية، وتوفير مناخ ملائم للمبادرة والاستثمار المحلي؛ وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، خاصة في مجالي التربية والتعليم، والرعاية الصحية، بما يصون كرامة المواطن، ويكرس العدالة المجالية؛ واعتماد تدبیر استباقي ومستدام للموارد المائية، في ظل تزايد حدة الإجهاد المائي وتغير المناخ؛ وإطلاق مشاريع التأهيل الترابي المندمج، في انسجام مع المشاريع الوطنية الكبرى، التي تعرفها البلاد.










































