يشكل الموسم الثقافي المغربي في فرنسا لسنة 2026 محطة بارزة في مسار الشراكة متعددة الأبعاد بين المغرب وباريس، حيث يسلط الضوء على غنى الإبداع المغربي وتنوعه الثقافي وديناميته المتجددة، في سياق علاقات تاريخية تتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية لتجعل من الثقافة ركيزة أساسية للحوار والتقارب بين البلدين.
وبفضل تظاهرات مؤسساتية ومبادرات تقودها سفارة المملكة المغربية في باريس والقنصليات العامة، إلى جانب الدعم الفاعل الذي تقدمه الجالية المغربية، تواصل الثقافة المغربية ترسيخ حضورها كرافعة لتعزيز التقارب المغربي – الفرنسي. ولا تقتصر هذه الدينامية على الفعاليات الرسمية، بل تمتد أيضاً إلى مبادرات مدنية وجمعوية تسهم في إبراز تنوع الموروث الثقافي المغربي، بمختلف روافده الأمازيغية والعربية والحسانية والأفريقية والأندلسية.
ويبدو برنامج سنة 2026 حافلاً بالأنشطة منذ مطلع العام، حيث توالت تقديمات الكتب والمعارض والتظاهرات الفنية، مقدمة بانوراما واسعة تعكس إشعاع الثقافة المغربية في مختلف جهات فرنسا، من باريس وضواحيها إلى مدن الجنوب والغرب والشرق الفرنسي.
انطلاقة ثقافية برأس السنة الأمازيغية
وقد أعطيت الانطلاقة الرسمية للموسم الثقافي المغربي 2026 بمناسبة الاحتفال برأس السنة الأمازيغية “إيض يناير”، من خلال أمسية فنية نظمت في 17 يناير بمدينة بواسي بضواحي باريس، حيث استقطب العرض الموسيقي التراثي جمهوراً واسعاً واحتفى بقيم التعايش والتقاسم التي تميز الهوية المغربية، في مشهد جسد التعدد الثقافي للمملكة.
وفي 12 فبراير، استهل البرنامج الثقافي محطة أدبية لافتة تمثلت في تقديم الرواية الأولى للكاتبة سندس الشرايبي بعنوان «الشمس تشرق مرتين»، الصادرة عن دار غاليمار، خلال لقاء احتضنه مقر البعثة الدبلوماسية المغربية. ويستحضر العمل قضايا الذاكرة والهوية والانتقال، مقدماً نصاً تأملياً يعكس انشغالات جيل جديد من المبدعين المغاربة داخل الوطن وخارجه.
حضور مغربي في تظاهرات ثقافية كبرى
وسيكون المغرب أيضاً في صلب فعاليات «موسم المتوسط 2026»، المرتقب تنظيمه بين 15 مايو و31 أكتوبر، حيث سيبرز غنى التقاليد الفنية المغربية وحداثة تعبيراتها المعاصرة. ومن أبرز محطاته تنظيم فعالية «عطلة نهاية الأسبوع: المغرب والمتوسط» من 29 إلى 31 أكتوبر في فيلهارموني باريس، في تظاهرة تسعى إلى تجديد الحوار الثقافي بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
ومن بين العروض المبرمجة «الليلة الأندلسية» بمشاركة أوركسترا طرب الآلة بقيادة المايسترو محمد بريول، إلى جانب عروض كناوية يحييها المعلم عبد الكبير مرشان والفنانة الصاعدة هند النعيرة، في توليفة موسيقية تعكس ثراء التراث المغربي وقدرته على التجدد والانفتاح على جمهور دولي.
كما سيحل المغرب ضيف شرف على الدورة الخامسة عشرة لـمهرجان تاريخ الفن بفونتينبلو، المزمع تنظيمه بين 5 و7 يونيو بمدينة فونتينبلو، حيث سيقترح برنامجاً متنوعاً يشمل الأركيولوجيا والسينما والفنون والصناعة التقليدية، إضافة إلى استحضار رحلة الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا إلى المغرب، التي شكلت لحظة مفصلية في تاريخ الفن الاستشراقي الأوروبي.
وقبيل هذا الموعد، سيحتضن متحف اللوفر في 22 مايو مائدة مستديرة حول موضوع «المغرب وفنون الإسلام»، في مبادرة علمية تعكس الاهتمام المتزايد بالموروث الحضاري والفني للمملكة ضمن السياق المتوسطي والإسلامي.
حضور أدبي وفني متواصل
وعلى صعيد الكتاب، يستعد المغرب لتسجيل حضور لافت في دورة 2026 من مهرجان باريس للكتاب، بعد مشاركته المتميزة كضيف شرف في دورة 2025، وهو ما يعكس رسوخ الأدب المغربي في المشهد الثقافي الفرنسي، سواء عبر الكتاب الفرنكفونيين أو من خلال الترجمات التي تقرب الإنتاج الأدبي المغربي من القراء الفرنسيين.
كما تستفيد الساحة الفنية المغربية في فرنسا من انخراط فاعلين جمعويين، من بينهم جمعية سفراء الموسيقى الأندلسية المغربية التي تأسست سنة 2020، حيث ينظم أعضاؤها من الكوادر والطلبة المغاربة ورشات تكوينية وحفلات موسيقية تسهم في نقل تراث موسيقى الآلة إلى الأجيال الجديدة.
ومن المرتقب أن تشارك هذه الفرقة الشابة في مهرجان «أندلسيات» للموسيقى العربية الأندلسية الذي ينظمه معهد العالم العربي خلال فصل الربيع، في مناسبة تتيح للجمهور الفرنسي اكتشاف هذا اللون الموسيقي العريق.
السينما والموضة في واجهة الإشعاع المغربي
وفي المجال السينمائي، يواصل المغرب حضوره المنتظم في مهرجان كان السينمائي الدولي من خلال جناح مغربي يقيمه المركز السينمائي المغربي، في تأكيد على الدينامية التي يعرفها القطاع السينمائي الوطني وتزايد حضوره في المحافل الدولية.
أما في مجال الموضة، فتواصل المصممة هند جودار الترويج للقفطان المغربي منذ سنة 2010 عبر تنظيم معرض الأزياء الشرقية «أوريونتال فاشن شو» مرتين سنوياً في باريس، تزامناً مع أسبوع الموضة، بما يعزز حضور الزي التقليدي المغربي في الساحة العالمية.
كما تعرف العديد من القاعات والمهرجانات الفرنسية مشاركة منتظمة لفنانين مغاربة في مجالات الكوميديا والمسرح والموسيقى، من بينها مهرجان أرابيسك الذي يخصص حيزاً مهماً للإبداع المغربي ويستقطب جمهوراً واسعاً من مختلف الخلفيات.
وهكذا، تعكس هذه البرمجة المتنوعة، سواء في باريس أو في مختلف المدن الفرنسية، حيوية وغنى الحوار الثقافي بين المغرب وفرنسا، في إطار روح من الانفتاح والتقاسم والتعايش، بما يجسد عمق الروابط الإنسانية والتاريخية بين البلدين ويجعل من الثقافة جسراً دائماً للتواصل وبناء المستقبل المشترك.










































