وجهت النقابات، انتقادات لاذعة إلى الحكومة المغربية برئاسة عزيز أخنوش، متهمة إياها بانتهاج سياسة “البريكولاج” وغياب الرؤية الواضحة في معالجة معضلة التشغيل، ما أدى إلى تفاقم البطالة واتساع رقعة الهشاشة الاجتماعية.
وأكدت نقابة المنظمة الديمقراطية في بلاغ ، أن البرامج الحكومية الحالية، وعلى رأسها “فرصة” و”انطلاقة” و”أوراش”، لم تحقق الأهداف التي أعلنت عنها الحكومة منذ انطلاقها، رغم الميزانيات الضخمة التي تم رصدها لتفعيلها. وأضافت أن هذه البرامج “تحولت إلى شعارات ترويجية للاستهلاك الإعلامي أكثر من كونها سياسات عمومية حقيقية قادرة على خلق فرص شغل لائقة ومستدامة”.
وسجلت المنظمة الديمقراطية للشغل أن الحكومة الحالية أهدرت المال العام دون نتائج ملموسة، مشيرة إلى أن البرامج الثلاثة الكبرى التي روجت لها الحكومة خلال السنوات الأخيرة لم تساهم سوى في “تكريس الهشاشة واللااستقرار في سوق العمل”.
فبرنامج “فرصة”، الذي كان يهدف إلى تمويل مشاريع الشباب، انتهى – حسب المنظمة – إلى “تمويل مبادرات صغيرة بلا مرافقة حقيقية ولا أثر تنموي”، فيما كشف برنامج “أوراش” عن “تشغيل مؤقت بأجور هزيلة، لا تضمن كرامة العامل ولا تفتح آفاقاً مهنية حقيقية”، أما برنامج “انطلاقة”، فقد “تراجع زخمه بسبب التعقيدات البنكية وضعف مواكبة الشباب حاملي المشاريع”.
وأوضحت النقابة أن المجلس الأعلى للحسابات مطالب بفتح تحقيق في كيفية تدبير هذه البرامج، معتبرة أن “تبذير المال العام دون نتائج يشكل خرقاً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة”، مضيفة أن “الحكومة الحالية تفتقد لأي تقييم جدي لسياساتها العمومية في مجال التشغيل، وهو ما يكشف عمق العجز في التخطيط والاستشراف”.
وعن خارطة الطريق الجديدة للتشغيل 2026، قالت المنظمة إنها “مجرد إعلان نوايا لا يحمل أي تصور عملي”، مشيرة إلى أن الحكومة “تتحدث عن توفير مليون فرصة شغل، لكن دون أن تقدم آليات واضحة أو إصلاحات هيكلية تضمن تحقيق هذا الهدف”.
وأضافت أن تخصيص 14 مليار درهم في ميزانية 2025 للتشغيل “لن يكون له أي أثر إذا استمرت نفس المقاربة القديمة، المبنية على توزيع الدعم دون محاسبة أو مراقبة للأثر الاجتماعي والاقتصادي”.
كما نبهت النقابة إلى أن الدعم المالي الموجه للقطاع الخاص عبر ميثاق الاستثمار “لم يؤد إلى خلق فرص عمل مستقرة أو تحقيق شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية”، مؤكدة أن المقاولات المستفيدة من الدعم “لا تلتزم بتشغيل الشباب المغربي في ظروف تحفظ كرامتهم وتؤمن لهم أجوراً منصفة”.
في السياق نفسه، وصف علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، سياسة الحكومة في التشغيل بأنها “سياسة البريكولاج”، قائلاً إن “كل حكومة تأتي بمبادرات جديدة دون تقييم السابقة، وكأن التشغيل مجال للتجارب المتكررة على حساب مستقبل الشباب”.
وأضاف لطفي في تصريحات صحفية أن حكومة أخنوش تشتغل بمنطق الترويج السياسي لا بمنطق الإصلاح الاقتصادي، متهماً إياها بتغييب الحوار الاجتماعي الجاد، وبتهميش النقابات في إعداد السياسات العمومية، رغم أن قانون الشغل المغربي يفرض إشراك الشركاء الاجتماعيين في كل ما يهم سوق العمل.
أما الميلودي موخاريق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، فقد عبّر هو الآخر عن استيائه من “غياب إرادة سياسية حقيقية لمعالجة أزمة الشغل”، مضيفاً أن “الحكومة تتعامل مع ملف التشغيل بمنطق ترقيعي، يهدف إلى امتصاص الغضب الاجتماعي أكثر من إيجاد حلول مستدامة”.
وأشار موخاريق إلى أن ارتفاع البطالة بين الشباب إلى مستويات مقلقة يعكس “فشل النموذج الاقتصادي الذي تراهن عليه الحكومة، والمبني على تشجيع الريع والمضاربات العقارية بدل تشجيع الإنتاج الوطني والصناعة المحلية”.
وحسب معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، تجاوز معدل البطالة في صفوف الشباب 32%، فيما وصلت البطالة لدى خريجي الجامعات إلى أكثر من 20%. وترى النقابات أن هذه الأرقام “تعكس غياب أي انسجام بين سياسات التعليم والتكوين وسوق الشغل”، كما تشير إلى أن “البرامج الحكومية لم تستطع استيعاب موجات الخريجين الجدد أو تحفيز المقاولات على التشغيل الدائم”.
وحذرت النقابات من أن استمرار هذا الوضع ينذر بانفجار اجتماعي صامت، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور وانتشار الشغل غير المهيكل، معتبرة أن جيل الألفية وجيل “Z” أصبح يعيش فقدان الثقة في المؤسسات، ويلجأ إلى الاحتجاج السلمي أو الهجرة كخيار وحيد للبحث عن الكرامة والفرص.
ودعت المنظمة الديمقراطية للشغل الحكومة إلى إعادة النظر في سياساتها التعليمية والتكوينية، وربطها بحاجيات الاقتصاد الوطني، مع ضرورة إدماج الاقتصاد غير المهيكل في الدورة الرسمية، وتحسين الحكامة ومحاربة الفساد في برامج الدعم والتشغيل.
كما شددت على أهمية تفعيل مدونة الشغل، وتعزيز دور مفتشية الشغل في مراقبة الانتهاكات، وتوسيع التغطية الاجتماعية والحماية الصحية لتشمل جميع الفئات العاملة.
واعتبرت المنظمة أن العمل اللائق لا يتحقق بالشعارات، بل بإرادة سياسية قوية تضع كرامة العامل والعاملة في صلب أولويات السياسات العمومية، داعية إلى “تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتوزيع عادل للثروة”.
و شددت النقابات على أن حكومة أخنوش فقدت ثقة فئات واسعة من المواطنين بسبب ما وصفته بـ”الخطاب التسويقي والنتائج الضعيفة”، معتبرة أن “البلاد تحتاج إلى ثورة حقيقية في مقاربة التشغيل، تتجاوز المنطق التقني إلى رؤية شاملة تدمج التعليم، والاستثمار، والعدالة الاجتماعية”.
وبينما يحتفي العالم بـ”العمل اللائق” كحق إنساني يضمن الكرامة والاستقرار، يجد آلاف الشباب المغاربة أنفسهم عالقين بين بطالة مقنعة وبرامج حكومية عرجاء، في انتظار سياسات قادرة على تحويل الوعود إلى فرص حقيقية، تحفظ كرامة الإنسان وتعيد الثقة في الدولة ومؤسساتها.








































