أصدر الاتحاد المغربي للشغل بلاغًا شديد اللهجة عقب اللقاء مع رئيس الحكومة ، أعلن فيه رفضه القاطع لما وصفه بـ”المقاربات الحكومية التقشفية” التي تتمحور، وفق البلاغ، حول “الثالوث الملعون”: الرفع الإجباري لسن التقاعد، وزيادة نسب المساهمات، وتقليص المعاشات. واعتبر الاتحاد أن أسباب الأزمة تعود بالأساس إلى سوء الحكامة في تدبير الصناديق، وليس إلى اختلالات تقنية أو ديموغرافية فقط.
وطالب الاتحاد بزيادة عامة في معاشات التقاعد تشمل مختلف الفئات: الموظفين العموميين، العاملين في المؤسسات العمومية، الجماعات الترابية، والقطاع الخاص، مشيراً إلى أن المعاشات الحالية “هزيلة” ولا تضمن العيش الكريم لآلاف المتقاعدين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة .
من جانبها، شددت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على الطابع الاستعجالي لرفع معاشات المتقاعدين، معتبرة أنهم “استُثنوا من الزيادات الأخيرة التي استفاد منها الأجراء”، رغم تدهور قدرتهم الشرائية في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة.
وأكدت الكونفدرالية في بلاغ لها أن أي إصلاح لأنظمة التقاعد يجب أن يكون شاملاً، يحافظ على المكتسبات دون أن يُثقل كاهل الطبقة العاملة. كما دعت الدولة إلى تحمّل مسؤوليتها كاملة في هذا الملف، من خلال تسديد المستحقات المتراكمة لفائدة صناديق التقاعد و احترام مبدأ المساهمة بالثلثين باعتبارها مشغلاً و فرض التصريح بكافة الأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و التراجع عن التقييمات السلبية لمعادلات معاشات النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد.
وحذّرت الكونفدرالية من مغبة اتخاذ أي قرارات أحادية أو تمرير مشاريع “دون تفاوض حقيقي”، مؤكدة أن مثل هذه الخطوات ستُواجه بردّ فعل حازم من النقابات.
عقد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لقاءً موسعًا مع ممثلي المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية وأرباب العمل، خصص لمناقشة ملف إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب، في إطار سلسلة اللقاءات التشاورية التي انطلقت منذ عدة أشهر. وقد شهد الاجتماع نقاشاً ساخناً، عكست خلاله النقابات مواقفها الحازمة الرافضة لأي مساس بمكتسبات الشغيلة، فيما شددت الحكومة على أهمية إصلاح المنظومة لضمان استدامتها المالية والعدالة الاجتماعي.
اللقاء، الذي حضره وزراء الاقتصاد والمالية، والشغل، والرقمنة، ومديرو صناديق التقاعد، عرف تجديد المركزيات النقابية لمطلبها القاضي بالرفع من المعاشات، مع التأكيد على رفض أي تدابير إصلاحية تُحمّل الأجراء كلفة معالجة الاختلالات التي تعرفها بعض الصناديق.
من جانبه، أكد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، التزام حكومته بإصلاح هذا الملف الاجتماعي الحيوي، مشددًا على أن الإصلاح سيكون في إطار “منهجية تشاركية مبنية على الثقة”، وأن الهدف ليس فقط تصحيح اختلالات التوازن المالي، بل أيضًا صيانة حقوق الموظفين والأجراء والمتقاعدين، وضمان تنافسية المقاولات وتعزيز السلم الاجتماعي.
وقال أخنوش إن معالجة ملف التقاعد تأتي ضمن “إصلاحات استراتيجية جوهرية” أطلقتها الحكومة، مبرزًا أن نجاح هذا الورش يتطلب انخراطًا جماعيًا من كل الفرقاء، وأن أي اتفاق سيتم بلوغه سيكون ثمرة التوافق والتفاهم.
وفي ختام اللقاء، تم الاتفاق على تشكيل لجنة تقنية مشتركة تنطلق أشغالها شهر شتنبر المقبل، تكون مهمتها الأولى تشخيص الوضع الحالي من خلال تقاسم المعطيات التقنية المتوفرة لدى الصناديق المختلفة، في أفق بلورة رؤية موحدة وواضحة لإصلاح المنظومة.
وفي تصريح للصحافة عقب الاجتماع، أوضحت نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، أن جميع الشركاء “واعون بضرورة إيجاد حلول ناجعة تضمن مستقبل آمن ومستدام لأنظمة التقاعد”، مشددة على أن الحكومة تطمح إلى بلورة حلول منصفة، تراعي الاستدامة المالية للأنظمة وتكفل العدالة الاجتماعية.
ويُعد إصلاح أنظمة التقاعد أحد الملفات الاجتماعية الأكثر تعقيدًا وتشابكًا، حيث تتقاطع فيه الاعتبارات الاقتصادية والديموغرافية والسياسية، وهو ما يجعل التوصل إلى حل توافقي مسألة بالغة الحساسية. وبين مطالب النقابات بحماية المكتسبات، ورؤية الحكومة لضمان استدامة الصناديق، يبقى شهر شتنبر المقبل محطة حاسمة في مسار الحوار الاجتماعي حول هذا الورش الاستراتيجي.










































