كشف تقرير “المخاطر العالمية لسنة 2026” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أن المغرب يواجه في المدى القصير جملة من التهديدات المتشابكة، تتصدرها المخاطر الاقتصادية المرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع كلفة المعيشة والضغط المتزايد على المالية العمومية، إلى جانب مخاطر اجتماعية مقلقة تتعلق بتآكل الثقة في المؤسسات وانتشار الأخبار المضللة. ويضع التقرير المملكة ضمن دائرة الاقتصادات الناشئة والمتوسطة الدخل الأكثر تأثرا بتداعيات الانكماش الاقتصادي العالمي المتوقع خلال السنوات القليلة المقبلة.
ويشير التقرير إلى أن الاقتصاد العالمي مرشح لتحقيق نمو ضعيف لا يتجاوز 2.7 في المائة خلال سنة 2026، وهو مستوى أدنى بكثير من المعدلات التي كانت سائدة قبل سنة 2020. هذا التباطؤ، وفق المنتدى الاقتصادي العالمي، ستكون انعكاساته أكثر حدة على الدول المستوردة للطاقة والغذاء، ومن ضمنها المغرب، حيث تتأثر منظومته الاقتصادية بشكل مباشر بتقلبات الأسواق الدولية وارتفاع الأسعار العالمية للمواد الأساسية.
ويضع التقرير المخاطر الاقتصادية، وعلى رأسها التضخم وارتفاع الدين العمومي، ضمن أهم التهديدات التي تواجه المغرب على المدى القريب. فرغم التراجع النسبي لمعدلات التضخم عالميا مقارنة بذروتها المسجلة في سنة 2022، إلا أنها ما تزال تفوق المتوسطات التاريخية، ما يفرض ضغوطا مباشرة على القدرة الشرائية للأسر المغربية. وتبرز هذه الضغوط بشكل خاص في ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، التي تشكل جزءا كبيرا من إنفاق الأسر، خاصة في الفئات الهشة والمتوسطة.
ويحذر التقرير من أن استمرار هذه الدينامية قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وإضعاف مناعة النسيج الاقتصادي الداخلي، خصوصا إذا تزامن ذلك مع تباطؤ فرص الشغل وضعف النمو في القطاعات الحيوية. كما أن ارتفاع كلفة المعيشة يضع الحكومات أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على التوازنات المالية والاستجابة لمطالب اجتماعية متزايدة، في سياق دولي يتسم بارتفاع كلفة الاقتراض وتقلص هوامش المناورة المالية.
ولا يقف التقرير عند حدود المؤشرات الاقتصادية الصرفة، بل يوسع دائرة التحليل لتشمل المخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنجم عن هذا السياق. إذ ينبه إلى أن تآكل الثقة في المؤسسات العمومية، وانتشار الأخبار المضللة، يشكلان من بين أبرز المخاطر العالمية قصيرة الأمد. وفي الحالة المغربية، يرى التقرير أن الضغوط الاقتصادية قد تتحول إلى عامل محفز لضعف الثقة في السياسات العمومية، إذا لم تواكبها إجراءات فعالة وشفافة قادرة على امتصاص الصدمات وحماية الفئات الأكثر تضررا.
ويعتبر المنتدى الاقتصادي العالمي أن تراجع الثقة في المؤسسات لم يعد ظاهرة هامشية، بل بات يشكل تهديدا مباشرا للاستقرار الاجتماعي والسياسي في عدد من الدول. فحين يشعر المواطن بأن الأزمات تتكرر دون حلول ملموسة، وأن الخطاب الرسمي لا يواكب واقعه اليومي، تتسع الفجوة بين المجتمع وصناع القرار. وتزداد هذه الفجوة اتساعا في ظل بيئة رقمية خصبة لتداول الأخبار غير الدقيقة والمضللة، التي تجد في الأزمات الاقتصادية أرضا مناسبة للانتشار والتأثير.
وفي هذا السياق، يبرز التقرير أهمية التواصل المؤسساتي الفعال، وربط السياسات العمومية بحاجيات المواطنين الحقيقية، باعتبارهما عنصرين أساسيين للحفاظ على الثقة الاجتماعية. كما يؤكد أن مواجهة التضليل الإعلامي لم تعد شأنا تقنيا فقط، بل أصبحت رهانا استراتيجيا يرتبط بالأمن المجتمعي واستقرار الدول.
ويضع التقرير المغرب أمام تحد مزدوج: من جهة، ضرورة تعزيز صلابة الاقتصاد الوطني في مواجهة الصدمات الخارجية، عبر تنويع مصادر النمو وتقليص التبعية للأسواق الدولية في المواد الأساسية؛ ومن جهة ثانية، الحاجة إلى تحصين الجبهة الاجتماعية عبر سياسات عادلة وشفافة تخفف من آثار الغلاء وتحافظ على الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، يشدد التقرير على أهمية الاستثمار في السياسات الوقائية بدل الاكتفاء بإجراءات ظرفية، مبرزا أن الاقتصادات التي نجحت في عبور الأزمات الأخيرة هي تلك التي راهنت على إصلاحات هيكلية طويلة الأمد، تشمل دعم الإنتاج المحلي، وتحسين الحكامة، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية. ويعتبر أن هذه الخيارات لا تقل أهمية عن المؤشرات المالية التقليدية في قياس قدرة الدول على الصمود.
كما يلفت التقرير إلى أن سنة 2026 قد تشكل محطة مفصلية في مسار الاقتصاد العالمي، حيث ستتداخل آثار التحولات الجيوسياسية مع الضغوط المناخية والتكنولوجية، ما سيزيد من تعقيد المشهد بالنسبة للدول النامية. وفي هذا السياق، تصبح قدرة المغرب على استباق المخاطر وتكييف سياساته مع المتغيرات الدولية عاملا حاسما في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويخلص التقرير إلى أن المخاطر التي تواجه المغرب ليست قدرا محتوما، بل هي تحديات يمكن تحويلها إلى فرص إذا ما تم التعامل معها برؤية استراتيجية شاملة، تضع المواطن في قلب السياسات العمومية، وتعزز الثقة بين المجتمع والمؤسسات. فالتحدي الحقيقي، وفق المنتدى الاقتصادي العالمي، لا يكمن فقط في مواجهة الأزمات الاقتصادية، بل في القدرة على إدارة آثارها الاجتماعية والنفسية، بما يحفظ تماسك المجتمع ويصون استقراره في زمن يتسم بعدم اليقين.









































