أجمع خبراء وباحثون مغاربة وأجانب، خلال ندوة دولية احتضنتها مدينة مراكش، الخميس، على أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يتيحان فرصاً لتطوير الخدمات الاجتماعية وتحسين جودة الحياة، لكنهما قد يسهمان أيضاً في تعميق أوجه التفاوت والإقصاء، إذا لم تواكبهما سياسات تضمن استفادة مختلف الفئات من التكنولوجيا.
وجاءت هذه المداخلات ضمن لقاء نظمه المجلس العالمي للعمل الاجتماعي، وناقش التحديات المرتبطة بالإدماج الاجتماعي في ظل التوسع المتسارع في استخدام التقنيات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، استعرض أمين منير العلوي، الخبير في التحول الرقمي ورئيس اللجنة المكلفة بقضايا مجتمع المعرفة بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مسار تطور قطاع الاتصالات في المغرب، مشيراً إلى أن الإقبال على الاشتراكات تجاوز، منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، التوقعات والسياسات الرسمية المعتمدة آنذاك.
وأوضح العلوي أن عدد المشتركين انتقل من أقل من نصف مليون إلى أكثر من خمسة ملايين خلال عامين، معتبراً أن هذا التطور يعكس حجم الطلب المجتمعي على التواصل والاتصال بالأقارب والأصدقاء داخل المغرب وخارجه.
وأشار المتحدث إلى أن نحو 54 في المائة من المغاربة وُلدوا بعد دخول الإنترنت إلى البلاد، بينما تبلغ نسبة من وُلدوا بعد إطلاق منصة «فيسبوك» عام 2004 نحو 34 في المائة من السكان. ورأى أن هذه المعطيات تبرز مدى تغلغل التكنولوجيا في الحياة اليومية، وما قد يترتب على غياب الاتصال الرقمي من صعوبات في التواصل والمشاركة الاجتماعية.
ولفت العلوي إلى أن التحدي لا يقتصر على توسيع نطاق الاتصال بالإنترنت، بل يشمل أيضاً معالجة الفجوة الرقمية المرتبطة بالقدرة على استخدام التكنولوجيا، خصوصاً لدى كبار السن الذين يحتاجون إلى التكوين والمواكبة لتيسير تواصلهم مع محيطهم الأسري والاجتماعي.
وأكد أن نجاح التحول الرقمي يقتضي تطوير خدمات عمومية تستجيب للاحتياجات الفعلية للمواطنين، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف من أجل توفير بيئة رقمية آمنة ونافعة للجميع.
الذكاء الاصطناعي بين الإدماج والإقصاء
من جهته، حذر أنطونيو لوبيز بيلايز، المدير التنفيذي للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي والأستاذ بالجامعة الوطنية للتعليم عن بُعد في إسبانيا، من أن التكنولوجيا قد تتحول إلى عامل لتعزيز الإدماج الاجتماعي أو، في المقابل، إلى وسيلة لتوسيع دائرة الاستبعاد، تبعاً للضوابط التي تحكم تصميمها واستخدامها.
وشدد بيلايز على ضرورة إخضاع التقنيات الرقمية لمبادئ أخلاقية ومعايير تحمي الحقوق الأساسية، مشيراً إلى أن تسارع الرقمنة، ولا سيما منذ جائحة «كوفيد-19»، غيّر أساليب تقديم الخدمات الاجتماعية وتدبير المؤسسات العمومية.
ونبّه إلى مخاطر الاعتماد على أنظمة ذكاء اصطناعي تفتقر إلى الشفافية، أو تنتج قرارات آلية قد تنطوي على تحيزات تمس الفئات الأكثر هشاشة، ومن بينها كبار السن.
ودعا إلى إرساء ديمقراطية رقمية تتيح للمواطنين المشاركة الفعلية في تحديد توجهات التحول التكنولوجي، محذراً من أن غياب هذه المشاركة قد يجعل التكنولوجيا أداة لتعميق التفاوتات الاجتماعية بدلاً من الحد منها.
الخدمات الرقمية لا تكفي وحدها
بدورها، أكدت غلوريا كيروان، الأستاذة المحاضرة بالكلية الملكية للجراحين في إيرلندا، أن التكنولوجيا توفر إمكانات مهمة لتحسين حياة الأفراد وتطوير أنظمة الحماية الاجتماعية، لكنها تطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بالمساواة والولوج إلى الموارد والخدمات.
وأوضحت أن التوسع الرقمي قد يعيد إنتاج اختلالات اجتماعية قائمة، فضلاً عن خلق أشكال جديدة من التفاوت بين من يمتلكون الوسائل والمهارات اللازمة لاستخدام التكنولوجيا، ومن يواجهون صعوبات في الوصول إليها.
واعتبرت كيروان أن فعالية الخدمات الاجتماعية الرقمية لا تقاس بمجرد إطلاق المنصات والتطبيقات، بل بمدى قدرة الفئات المستهدفة على استخدامها والاستفادة منها. وشددت في هذا الإطار على أهمية تحديد الاحتياجات بدقة، والاعتماد على بيانات موثوقة ومحيّنة، وضمان استجابة المؤسسات العمومية لانتظارات المواطنين.
واستحضرت تجربة إيرلندا في توسيع نطاق الولوج إلى الإنترنت، مشيرة إلى استمرار التفاوت في التغطية بين المناطق الحضرية والريفية، رغم التقدم المحرز في هذا المجال.
كما حذرت من الإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات الاجتماعية، موضحة أن الانتقال من الخدمات الحضورية إلى البدائل الرقمية لا يضمن، في حد ذاته، تحسين جودتها، وقد يؤدي إلى حرمان أشخاص يفتقرون إلى الاتصال بالإنترنت أو المهارات الرقمية من الاستفادة منها.
وتعكس هذه المداخلات، وفق القضايا التي تناولها المشاركون، أهمية مواكبة التحول الرقمي بسياسات تراعي الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحافظ على إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية عبر قنوات متعددة، بما يحد من مخاطر الإقصاء ويجعل التكنولوجيا أداة لتعزيز الإدماج الاجتماعي








