أعادت الاضطرابات التي شهدتها مدينة ميلانو ومدن إيطالية أخرى يومي 17 و18، النقاش بشأن الدور المتنامي لمنصات التواصل الاجتماعي في تعبئة الشباب وتوجيه التحركات الجماعية، خصوصاً عندما تتقاطع الدعوات الرقمية مع أجواء الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي. كما استحضرت هذه التطورات أحداث سبتة والتحركات الشبابية التي شهدها المغرب، في ظل تساؤلات بشأن قدرة المحتوى الرقمي على تسريع الحشد، واحتمال استغلال التوترات الاجتماعية من أطراف تسعى إلى التأثير في مسار الأحداث.
وبحسب ما أوردته صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية، تدرس أجهزة الاستخبارات الداخلية فرضية وجود تنسيق مسبق وراء جانب من الاضطرابات التي رافقت الاحتجاجات الأخيرة. ونقلت الصحيفة عن برونو فالينسيزي، رئيس وكالة المعلومات والأمن الداخلي الإيطالية، قوله أمام اللجنة البرلمانية المختصة بالأمن، إن أطرافاً تمكنت من رصد بؤر السخط والتواصل مع أشخاص مؤثرين، قبل تحويل الدعوات المتداولة عبر المنصات إلى حشود ميدانية فاجأت الأجهزة الأمنية.
ومع ذلك، لا تتوافر، وفق المعطيات المنقولة عن المسؤول الإيطالي، أدلة قاطعة تثبت وجود تدخل أجنبي مباشر، ما يجعل فرضية التوجيه الخارجي موضوعاً للتحقيق، وليس استنتاجاً نهائياً.
وتشير التقارير الإعلامية الإيطالية إلى أن المحققين يركزون على كيفية انتشار الدعوات الرقمية، وطبيعة الحسابات التي روجت لها، فضلاً عن صور ومقاطع يُشتبه في أن بعضها أُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي أو أعيد توظيفه خارج سياقه. وتسلط هذه المعطيات الضوء على صعوبة التمييز بين التعبئة العفوية والتحركات التي قد تستفيد من التنسيق الرقمي أو التضليل.
سبتة.. حين تتحول الدعوات الرقمية إلى حشد ميداني
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة أحداث سبتة، التي شهدت تدفقات كبيرة لأشخاص حاولوا الوصول إلى المدينة انطلاقاً من الجانب المغربي، وسط انتشار دعوات ومقاطع على منصات التواصل الاجتماعي تحدثت عن سهولة العبور أو عن فتح الحدود.
وأثار انتشار تلك المواد تساؤلات بشأن دور المنصات الرقمية في توجيه التحركات وتسريعها، ومدى قدرة الشائعات والمعلومات غير الدقيقة على دفع أشخاص إلى اتخاذ قرارات ميدانية في وقت وجيز. غير أن تحديد ما إذا كانت هذه الدعوات جزءاً من حملة منسقة، أو مجرد انعكاس لتفاعل جماعي مع محتوى واسع الانتشار، يظل رهيناً بأدلة موثوقة بشأن مصادرها والجهات التي تقف وراءها.
وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد احتمال استغلال أطراف خارجية لحالات التوتر أو الهشاشة الاجتماعية من أجل توسيع نطاقها أو التأثير في اتجاهاتها، سواء عبر التضليل أو تضخيم الوقائع أو نشر روايات غير موثقة. لكن إثبات وجود مثل هذا التدخل يقتضي تحديد طبيعة النشاط والجهة المسؤولة عنه، استناداً إلى معطيات مستقلة.
ويشمل النقاش، في سياق التوترات الإقليمية، احتمال محاولة أطراف معروفة بخلافاتها السياسية مع المغرب التأثير في محيطه، بما في ذلك الجزائر. غير أن هذا الاحتمال لا يمكن تقديمه بوصفه حقيقة ثابتة من دون أدلة مباشرة، كما أن الخلافات السياسية بين الدول لا تشكل، في حد ذاتها، دليلاً على مسؤولية أي طرف عن أحداث ميدانية أو حملات إلكترونية.
احتجاجات المغرب.. مطالب اجتماعية في فضاء رقمي مفتوح
وفي المغرب، أظهرت احتجاجات الشباب التي عُرفت باسم «جيل زد 212» كيف يمكن للدعوات المتداولة عبر المنصات الرقمية أن تتحول سريعاً إلى تحركات في عدد من المدن. وارتبطت تلك الاحتجاجات بمطالب تتعلق بالصحة والتعليم وفرص العمل ومحاربة الفساد، قبل أن تتسع النقاشات المصاحبة لها لتشمل قضايا المساءلة والعدالة الاجتماعية.
وتتقاطع هذه التجربة مع أحداث سبتة والاضطرابات الإيطالية من حيث سرعة انتشار الدعوات الرقمية وقدرتها على جمع أشخاص في الفضاء العام، لكنها تختلف عنها في السياقات والدوافع وطبيعة المطالب. لذلك، فإن التشابه في وسائل التعبئة لا يكفي للاستنتاج بوجود جهة واحدة تقف وراء هذه الأحداث أو أنها نُظمت وفق مخطط مشترك.
وتكشف هذه الحالات، في المقابل، عن تحول في أنماط التعبئة، إذ لم تعد الدعوة إلى التجمع أو الاحتجاج مرتبطة بالضرورة بهياكل تنظيمية تقليدية؛ فقد يكفي انتشار مقطع مصور أو رسالة على نطاق واسع لإحداث استجابة ميدانية سريعة. وفي الوقت نفسه، تتيح هذه البيئة لحسابات مجهولة أو جهات منظمة فرصاً للتأثير في النقاش العام، خصوصاً عندما تختلط الوقائع بالشائعات أو تنتشر دعوات تحريضية.
لكن من الضروري التمييز بين الاحتجاجات التي تنبع من مطالب اجتماعية حقيقية، وبين محاولات محتملة لاستغلالها أو توجيهها. فوجود أسباب مرتبطة بالخدمات العامة أو فرص العمل أو الأوضاع المعيشية قد يفسر التعبئة الشعبية من دون الحاجة إلى افتراض تدخل خارجي، كما أن وجود هذه الأسباب لا يمنع، من حيث المبدأ، أطرافاً أخرى من محاولة توظيفها لتحقيق أهداف مختلفة.
بين الاحتقان الاجتماعي والتأثير الخارجي
وفي إيطاليا، جاءت الاضطرابات في سياق توترات اجتماعية واقتصادية، وشهدت بعض المناطق أعمال شغب ونهب ومواجهات مع قوات الأمن. وأقر عمدة ميلانو، جوزيبي سالا، بأن أعداد عناصر الشرطة المنتشرين في المدينة لم تكن كافية للتعامل مع حجم الاضطرابات، مؤيداً تعزيز الحضور الأمني من خلال نشر جنود إضافيين لفترة محددة.
كما أثار المسؤول الإيطالي مخاوف بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الشباب، في وقت تواصل فيه السلطات بحث احتمال تنظيم بعض التحركات مسبقاً، ورصد دعوات جديدة يجري تداولها عبر الإنترنت.
وتطرح هذه التطورات تحدياً يتجاوز الجانب الأمني، يتعلق بكيفية التعامل مع فضاء رقمي يسمح بانتشار المحتوى بسرعة كبيرة، بينما تحتاج المؤسسات إلى الوقت للتحقق من صحته وتحديد مصدره. فالمحتوى المضلل قد يفاقم التوترات، كما يمكن أن يؤدي تداول معلومات غير دقيقة إلى تضخيم المخاوف أو دفع الأفراد إلى المشاركة في تحركات لا تتضح خلفياتها بالكامل.
وتبرز المقارنة بين إيطاليا وسبتة والمغرب أهمية الفصل بين ثلاثة مستويات: الدوافع الاجتماعية التي تقف وراء الاحتجاجات، واستخدام المنصات الرقمية لتنسيق التحركات، واحتمال تدخل أطراف تسعى إلى استغلالها أو التأثير في مسارها. فلكل مستوى أدلته الخاصة، ولا يمكن اعتبار ثبوت أحدها دليلاً تلقائياً على المستويين الآخرين.
وفي المحصلة، لا تكمن أهمية هذه الأحداث في افتراض وجود مخطط موحد يقف وراءها، بقدر ما تكمن في إظهار الدور المتزايد للمنصات الرقمية في تشكيل الحراك الاجتماعي وتحديات التحقق من مصادر التعبئة. وبين حماية الحق في الاحتجاج السلمي، والتعامل مع المطالب الاجتماعية، ومواجهة التضليل والتحريض وأعمال العنف، تظل الحاجة قائمة إلى تحقيقات شفافة تستند إلى أدلة واضحة، وتفصل بين الوقائع والفرضيات، بما يمنع تحويل الشكوك بشأن التدخل الخارجي إلى اتهامات غير مثبتة








