في ليلةٍ ثقيلةٍ على الذاكرة الكروية المغربية، أُسدل الستار على نهائي كأس أمم إفريقيا “المغرب 2025” بمرارةٍ مضاعفة، بعدما ضاع الحلم في الأمتار الأخيرة، وسقط “أسود الأطلس” أمام المنتخب السنغالي بهدف دون رد، في مواجهة تجاوزت حدود المنافسة الرياضية إلى اختبارٍ قاسٍ للأعصاب والتركيز والروح.
دخل المنتخبان اللقاء بحذرٍ شديد، لكن سرعان ما فرضت السنغال إيقاعها البدني والذهني، مع ضغط عالٍ أربك البناء المغربي، وهو ما عكسته الأرقام، إذ مالت كفة الاستحواذ نسبيًا لصالح “أسود التيرنغا”. ورغم محاولات المنتخب الوطني فرض أسلوبه، بدا واضحًا أن المباراة ستُحسم بتفصيل صغير، أو هفوة واحدة، في نهائي لا يعترف إلا بالأعصاب الباردة.
وسط هذا الصراع، برزت لقطات ستظل محفورة في الذاكرة، أبرزها إصابة نائل العيناوي بعد التحام هوائي عنيف، في مشهد اختزل روح التضحية التي طبعت مسار المنتخب طيلة البطولة. نزيف الدم لم يمنع اللاعب من مواصلة اللقاء، في صورة جسدت معنى القتال من أجل القميص الوطني، حتى آخر نفس.
ومع اقتراب المباراة من نهايتها، انفجر الملعب على وقع لحظة بدت حاسمة في تاريخ الكرة المغربية، حين أعلن الحكم عن ركلة جزاء لصالح المغرب بعد العودة إلى تقنية الفيديو. الكرة التي حملت أحلام الملايين وُضعت أمام إبراهيم دياز، لكنها تحولت إلى مسرحٍ لحرب نفسية غير مسبوقة، بعد احتجاج لاعبي السنغال ومغادرتهم المؤقتة لأرضية الملعب، وتوقف اللعب وسط فوضى وتوتر امتدا إلى المدرجات.
تحت هذا الضغط، ضاعت ركلة الجزاء، وضاع معها الحلم الأكبر. لم تكن مجرد كرة أُهدرت، بل لحظة انكسار ذهني غيّرت ملامح المباراة بالكامل. استعاد المنتخب السنغالي توازنه، ودخل الأشواط الإضافية بأفضلية نفسية واضحة، استثمرها في الدقيقة 94 عبر هدف قاتل حمل توقيع بابي غييه، أنهى آمال المغرب في التتويج على أرضه.
الهدف أشعل فرحة سنغالية عارمة، مقابل صدمة مغربية ثقيلة، زاد من قسوتها ما رافق اللقاء من سلوكيات غير رياضية داخل الملعب وخارجه، سواء باحتجاجات بعض اللاعبين أو بمحاولات اقتحام أرضية الميدان من المدرجات، في مشاهد أساءت لصورة النهائي الإفريقي وأفرغت لحظاته الحاسمة من بعدها الاحتفالي.
وبرغم الخسارة، لم يخرج المغرب صفر اليدين. فقد حصد إشادة واسعة بتنظيم وُصف بالنموذجي، وبنية تحتية أكدت جاهزية المملكة لاحتضان أكبر التظاهرات العالمية، كما تُوج عدد من لاعبيه بجوائز فردية عكست القيمة الفنية للمنتخب، في مقدمتهم إبراهيم دياز هداف البطولة وياسين بونو أفضل حارس مرمى، إضافة إلى جائزة اللعب النظيف.
انتهت “كان 2025” بخيبة رياضية، لكنها فتحت في المقابل صفحة جديدة من الوعي بأن هذا المنتخب بات قريبًا من القمة، وأن التفاصيل وحدها تفصل بين الحلم والانكسار. هي خسارة موجعة، نعم، لكنها تحمل في طياتها دروسًا قاسية قد تكون الوقود الحقيقي للعودة أقوى، قارّيًا وعالميًا، في الاستحقاقات المقبلة.









































