حذرت سفارة الجمهورية اليمنية لدى المملكة المغربية من تفاقم الأوضاع الإنسانية في محافظة تعز، في ظل استمرار الحصار المفروض عليها منذ عام 2015، وما يترتب عنه من صعوبات في توفير الغذاء والدواء والوقود والمياه، داعية إلى تدخل إنساني عاجل وفتح الطرق والمنافذ المغلقة، وحماية المدنيين من الهجمات التي تستهدف الأحياء السكنية والمرافق الحيوية.
وجاء ذلك خلال ندوة نظمها عز الدين سعيد الأصبحي، سفير الجمهورية اليمنية لدى المملكة المغربية، صباح الأربعاء 14 أكتوبر بالرباط، حيث عرضت السفارة معطيات بشأن تداعيات الحصار على الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية في المحافظة، محذرة من بلوغ الأزمة مستويات حرجة، خصوصا في قطاعات الصحة والمياه والأمن الغذائي.
وأكدت السفارة أن القيود المفروضة على حركة السكان والإمدادات تؤدي إلى تفاقم معاناة ملايين اليمنيين، ولا سيما المرضى الذين يعتمدون على الخدمات الصحية، في ظل النقص الحاد في الوقود والمستلزمات الطبية، وتزايد الصعوبات المرتبطة بتشغيل المرافق الصحية وتأمين المياه الصالحة للشرب.
ووفق المعطيات المقدمة خلال الندوة، لا تقتصر آثار الحصار على تقييد تنقل المدنيين، بل تشمل أيضا استنزاف المخزونات الغذائية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية والمحروقات، وتعطيل سلاسل الإمداد، فضلا عن تراجع مصادر الدخل وتفاقم هشاشة الأسر التي تواجه صعوبات متزايدة في الحصول على الخدمات الضرورية.
حصار مستمر منذ 2015
أبرزت السفارة أن محافظة تعز تعد من المناطق ذات الكثافة السكانية والأهمية الاستراتيجية في اليمن، بالنظر إلى موقعها الذي يربط شمال البلاد بجنوبها، وهو ما جعلها في قلب تداعيات الصراع المسلح المستمر منذ سنوات.
ووفق الرواية التي قدمتها السفارة، تعاني المحافظة منذ مارس 2015 من حصار تفرضه جماعة الحوثيين، تخللته مواجهات مسلحة وقصف للأحياء السكنية واستهداف للمدنيين والمنشآت المدنية، الأمر الذي أدى إلى سقوط ضحايا وفرض قيود على حركة السكان ووصول المواد الغذائية والأدوية والوقود.
وأضافت أن إغلاق الطرق الرئيسية أجبر السكان على استعمال مسارات بديلة طويلة ووعرة للتنقل بين مناطق المحافظة ونقل البضائع والوصول إلى المرافق الصحية، ما رفع تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات الأساسية، وزاد من الأعباء المعيشية.
وتشمل الطرق والمنافذ الرئيسية التي قالت السفارة إنها مغلقة أو خاضعة للقيود، جولة القصر شرقا، والضباب غربا، وعصيفرة شمالا، وجبل صبر والشقب جنوبا. واعتبرت أن استمرار هذه القيود يحول الحصار إلى معاناة يومية تمس مختلف جوانب الحياة.
وشددت السفارة على أن استمرار الوضع، مع دخول الحصار عامه الثاني عشر، يعرقل حركة المدنيين والإمدادات الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تدخل دولي يضمن فتح الطرق وتأمين وصول المساعدات دون عوائق.
نقص الوقود يهدد المستشفيات وإمدادات المياه
ومن بين أبرز المخاطر التي سلطت السفارة الضوء عليها، النقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومحطات ضخ المياه، محذرة من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى توقف خدمات صحية أساسية، بما يهدد حياة المرضى والجرحى والأطفال الموجودين في أقسام العناية المركزة والحاضنات.
وأفادت المعطيات المقدمة بأن المستشفيات تواجه خطر نفاد الديزل، وأن التوقف الكامل للمولدات الكهربائية قد يهدد حياة أكثر من 500 مريض يعانون من الفشل الكلوي، إلى جانب الجرحى الموجودين في غرف العمليات وأقسام العناية المركزة والأطفال الذين يحتاجون إلى الحاضنات.
وفي قطاع المياه، تحدثت السفارة عن تضرر إمدادات مياه الشرب، موضحة أن الحصار، إلى جانب القيود المستمرة على الوصول إلى مصادر المياه الرئيسية في الحوبان والجوجلة، أدى إلى توقف الإمدادات من آبار الضباب، بما ينذر بتفاقم المخاطر الصحية والبيئية.
ووفق الأرقام التي عرضتها، يتطلب تشغيل الآبار داخل المدينة نحو 90 ألف لتر من الديزل، بينما كانت الأمم المتحدة توفر 65 ألف لتر شهريا قبل انقطاع الإمدادات المرتبط بإغلاق الطرق، الأمر الذي يزيد من صعوبة تلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان من المياه.
أما على مستوى المحروقات، فقدرت السفارة الاحتياجات الشهرية للمحافظة بنحو 12.35 مليون لتر من البنزين وأكثر من 9.7 ملايين لتر من الديزل، مشيرة إلى أن القيود المفروضة على الإمدادات أسهمت في ارتفاع الأسعار بأكثر من 100 في المائة، قبل أن تتفاقم أزمة التوفر وتختفي بعض المواد من الأسواق.
كما نبهت إلى النقص الذي تعانيه المستشفيات والمراكز الصحية في الأدوية ومستلزمات الإسعاف ووسائل التبريد، بالتزامن مع تزايد أعداد الجرحى جراء المواجهات المسلحة.
النزوح يفاقم هشاشة السكان
وعلى صعيد النزوح، سجلت محافظة تعز خلال عام 2024 تدهورا في الأوضاع الإنسانية بفعل استمرار الصراع وتراجع القدرة الشرائية للأسر والمخاوف الأمنية، إلى جانب الفيضانات والسيول التي خلفت خسائر بشرية ومادية.
وبحسب معطيات منسوبة إلى المنظمة الدولية للهجرة، شهدت الفترة الممتدة من يوليوز إلى شتنبر 2024 نزوح 6 آلاف و894 شخصا، أي ما يعادل 1149 أسرة، فيما انتقلت 232 أسرة إلى مناطق آمنة داخل المحافظة.
وبخصوص التطورات المسجلة إلى مطلع أكتوبر 2026، أشارت السفارة إلى تصاعد المواجهات على جبهات الساحل الغربي ومناطق جنوب تعز، ما زاد من مخاوف المدنيين ورفع الاحتياجات الإنسانية، خصوصا في مجالات المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية.
ووفق البيانات المعروضة خلال الندوة، بلغ عدد الأشخاص الذين تعرضوا للنزوح مرة واحدة على الأقل في اليمن 191 ألفا و64 شخصا، بما يعادل 31 ألفا و844 أسرة، خلال الفترة من فاتح يناير إلى 3 أكتوبر 2026.
وخلال الفترة الممتدة من 27 شتنبر إلى 3 أكتوبر وحدها، سجل نزوح 21 ألفا و798 شخصا، أي ما يعادل 3633 أسرة، في عدد من المحافظات اليمنية.
وفي محافظة تعز، تحدثت المعطيات عن نزوح 2838 أسرة إلى مناطق آمنة داخل المحافظة، مقابل حركة نزوح من مناطق أخرى شملت 3269 أسرة.
وأضافت السفارة أن آثار التصعيد لا تقتصر على النزوح، بل تمتد إلى فقدان مصادر الدخل وتعطل سبل العيش، في ظل صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة واستمرار القيود على حركة السكان والإمدادات.
استبعاد آلاف الأسر من المساعدات الغذائية
وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، حذرت السفارة من تفاقم نقص الغذاء والدواء والوقود والمياه، في ظل تراجع المخزونات الإغاثية واستبعاد أعداد كبيرة من الأسر من برامج المساعدة.
وأفادت المعطيات المقدمة بأن نحو 33 ألف أسرة استبعدت من قوائم المستفيدين من برنامج الغذاء العالمي، معتبرة أن ذلك يزيد الضغوط المرتبطة بالفقر والجوع، في وقت تواجه فيه الأسر صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية.
كما اتهمت السفارة جماعة الحوثيين باستهداف المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة، عبر القصف والقنص وزرع الألغام في الأحياء السكنية والقرى الريفية. وأشارت إلى تسجيل قتلى وجرحى مدنيين، فضلا عن استهداف حافلات النازحين والتربويين، ووقوع عمليات قتل واحتجاز ومداهمة للمنازل والمرافق الخدمية.
دعوات إلى إعلان الطوارئ الإنسانية
وأمام هذه الأوضاع، دعت السفارة اليمنية إلى إعلان حالة الطوارئ الإنسانية وإدراج محافظة تعز ضمن أولويات الاستجابة العاجلة للأمم المتحدة والوكالات الدولية والجهات المانحة، بهدف تعبئة الموارد الضرورية لمواجهة الاحتياجات المتزايدة للسكان.
كما طالبت بالضغط من أجل فتح الطرق والمعابر المغلقة، وتأمين ممرات إنسانية آمنة ومستدامة تتيح وصول الغذاء والدواء والمياه النظيفة والوقود دون عوائق، إلى جانب إلزام أطراف الصراع باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني ووقف استهداف المناطق السكنية، وضمان مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.
وشددت السفارة على أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على الاستجابة لحالات النزوح، بل يتعين أن تشمل إعادة تأهيل الخدمات الأساسية وتأمين سبل العيش والحد من الفقر والهشاشة الاجتماعية، بالتوازي مع تكثيف الجهود الرامية إلى وقف التصعيد والتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة تنهي الحصار وتحمي حقوق المدنيين.
اتهامات للحوثيين باستهداف مطارات وتهديد الملاحة الدولية
وفي سياق أوسع، تناولت المعطيات المقدمة خلال الندوة ما وصفته السفارة بسجل جماعة الحوثيين في استهداف المطارات المدنية وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
واستعرضت السفارة هجمات قالت إن الجماعة نفذتها ضد مطارات مدنية في المنطقة خلال السنوات الماضية، من بينها مطارات أبها وعدن وأبوظبي. كما أشارت إلى هجمات قالت إنها استهدفت مطاري أبها والرياض خلال أكتوبر 2026، وقدمت حصيلة تفيد بمقتل 16 شخصا وإصابة أكثر من 300 آخرين، معظمهم من المعتمرين.
واتهمت السفارة الجماعة كذلك بتهديد خطوط الملاحة الدولية، مشيرة إلى أنها استهدفت، منذ عام 2023، أكثر من 100 سفينة، وقصفت نحو 40 سفينة كليا أو جزئيا، وأغرقت أربع سفن على الأقل، ما تسبب، وفق المعطيات ذاتها، في مقتل وإصابة عشرات البحارة من جنسيات مختلفة.
كما تطرقت إلى الخلاف المتعلق بتشغيل مطار صنعاء، وقالت إن جماعة الحوثيين رفضت مقترحات قدمتها الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية لاستئناف الرحلات المدنية المنتظمة، إلى جانب مقترح أردني لإعادة تشغيل رحلات الخطوط الملكية الأردنية، وتمسكت، بحسب رواية السفارة، بتشغيل رحلات لشركة «ماهان إير» الإيرانية الخاضعة للعقوبات الدولية.
واختتمت السفارة مواقفها بالتأكيد على أن استمرار الأزمة الإنسانية في تعز يفرض الانتقال من تدبير تداعيات الحرب إلى معالجة أسباب المعاناة، وفي مقدمتها إنهاء الحصار وفتح الطرق وتأمين الخدمات الأساسية، معتبرة أن حماية المدنيين واستعادة الاستقرار المجتمعي تظلان مرتبطتين بوقف التصعيد والتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة







