في لحظة سياسية حساسة، اختار الحزب الشعبي الإسباني التموضع في منطقة رمادية، ممتنعاً عن التصويت على مقترح تقدّم به حزب فوكساليميني المتطرف داخل مجلس النواب الإسباني، يهدف إلى رفض الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة ميركوسور، إلى جانب الاتفاقات الاقتصادية مع المغرب.
ورغم الطابع التصعيدي للمقترح، لم يحصد الدعم الكافي وسقط بأغلبية برلمانية، في مشهد يعكس تعقيد التوازنات داخل الساحة السياسية الإسبانية، وتباين المقاربات إزاء ملف التجارة الدولية، خصوصاً حين يتقاطع مع ملف الزراعة الحسّاس.
29 إجراءً… ورهان على ورقة الفلاحين
مقترح «فوكس» لم يكن رمزياً. فقد تضمن 29 إجراءً تمسّ مباشرة القطاع الفلاحي، من بينها إدانة مسودة السياسة الزراعية المشتركة (PAC)، ورفض ما اعتبره “تقليصاً للتمويل الزراعي لصالح الإنفاق العسكري”. كما دعا إلى تجميد أي تحويلات مالية إسبانية نحو مشاريع زراعية في المغرب أو في دول تُعدّ منافساً مباشراً للمنتج الإسباني.
ولم يخلُ النص من نبرة حمائية واضحة، إذ طالب بتشديد الرقابة الحدودية على الواردات، وفرض وسم صارم للمنتجات حسب بلد المنشأ، ومنع استيراد السلع الزراعية التي تستخدم مبيدات محظورة داخل الاتحاد الأوروبي. وهي مطالب تجد صدى لدى جزء من المزارعين الإسبان الذين عبّروا خلال الأشهر الماضية عن قلق متزايد من المنافسة الخارجية، سواء من أمريكا اللاتينية أو من الضفة الجنوبية للمتوسط.
امتناع تكتيكي… ورسائل متعددة الاتجاهات
اختيار الحزب الشعبي الامتناع عن التصويت بدا خطوة محسوبة بعناية. فهو من جهة لا يريد الاصطفاف خلف خطاب متشدد قد يضر بعلاقات إسبانيا التجارية والاستراتيجية، ومن جهة أخرى لا يرغب في تجاهل مطالب قواعده في الأقاليم الزراعية التي تضغط من أجل حماية أكبر للإنتاج المحلي.
النتيجة كانت موقفاً وسطاً: لا دعم لمقترح «فوكس»، ولا معارضة صريحة له. لكن سقوط المبادرة بأغلبية واضحة كشف أن المزاج البرلماني العام يميل إلى الحفاظ على التزامات إسبانيا الأوروبية والدولية، وعدم الزجّ بالسياسة التجارية في مزايدات داخلية.
المغرب في قلب المعادلة
إقحام المغرب في المقترح لم يكن تفصيلاً عابراً. فالعلاقات الاقتصادية بين مدريد والرباط شهدت خلال السنوات الأخيرة زخماً متزايداً، خصوصاً في المجالين الفلاحي والطاقي. وتعد إسبانيا أحد أبرز الشركاء التجاريين للمغرب داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت يشكل فيه السوق الإسباني منفذاً رئيسياً للمنتجات الزراعية المغربية نحو أوروبا.
غير أن هذا التشابك الاقتصادي يظل عرضة لتجاذبات سياسية موسمية، خاصة مع تصاعد مطالب بعض التنظيمات الفلاحية الإسبانية بمراجعة شروط المنافسة وضمان تكافؤ المعايير البيئية والصحية.
انقسام أوروبي أوسع
سقوط مقترح «فوكس» لا يلغي حقيقة أن ملف الاتفاقات التجارية، سواء مع ميركوسور أو مع شركاء جنوب المتوسط، بات أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الاتحاد الأوروبي. فبين من يرى فيها فرصة لتوسيع الأسواق وتعزيز سلاسل التوريد، ومن يخشى انعكاساتها على الفلاحين والقطاعات الهشة، تتسع هوة النقاش.
في مدريد، بدا واضحاً أن أغلبية البرلمان لا ترغب في إرسال إشارة عدائية إلى بروكسل أو إلى شركاء استراتيجيين مثل المغرب. لكن في المقابل، فإن ضغط الحقول لم يتبدد، بل سيظل عاملاً مؤثراً في كل استحقاق سياسي مقبل.
ما بعد الرفض
برلمانياً، انتهت المعركة بسقوط المقترح. سياسياً، لم تنتهِ بعد. فملف الزراعة سيظل ورقة انتخابية بامتياز، خاصة مع اقتراب أي استحقاقات مقبلة، ومع استمرار الاحتجاجات الفلاحية في عدة أقاليم.
أما على مستوى العلاقات الإسبانية–المغربية، فيبدو أن منطق المصالح المتبادلة سيظل أقوى من محاولات التسييس الظرفي. غير أن الرسالة التي خرجت من مدريد واضحة: التجارة لم تعد ملفاً تقنياً فحسب، بل تحولت إلى ساحة اختبار للتوازن بين الانفتاح الاقتصادي وحماية الداخل، في زمن تتزايد فيه النزعات الحمائية عبر أوروبا.










































