طالب يونس ملال، المستشار البرلماني عن الفريق الحركي بمجلس المستشارين، بإحداث لجنة لتقصي الحقائق بشأن 280 مليار درهم قال إنها صُرفت خلال الولاية الحكومية السابقة دون تحقيق النتائج المرجوة، داعياً إلى تحديد أوجه إنفاق هذه الأموال وترتيب المسؤوليات، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في المساس بالمال العام.
وجاءت هذه المطالبة خلال مداخلة ملال في الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي، اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، حيث وجه انتقادات إلى عدد من اختيارات الحكومة الحالية، سواء على مستوى تشكيلتها أو أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، معتبراً أن البرنامج المعروض لا يتضمن في عدد من المجالات أهدافاً دقيقة وآليات واضحة للتنفيذ والتقييم.
انتقادات لبداية الولاية وتشكيلة الحكومة
واعتبر ملال أن الحكومة الحالية بدأت ولايتها في أجواء من الارتباك، مستحضراً ما وصفه بسرعة التعديل الحكومي، وما أثاره احترام المواعيد الدستورية من تساؤلات، فضلاً عن توزيع مشروع قانون المالية على البرلمانيين قبل حصول الحكومة على ثقة البرلمان، وفق ما أورده في مداخلته.
كما أثار تساؤلات بشأن الهندسة الحكومية، متوقفاً عند غياب قطاعات اعتبرها أساسية، من بينها التنمية القروية والجبلية، واللامركزية، في ظل التوجه نحو تسريع ورش الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
وتساءل أيضاً عن موقع مغاربة العالم ضمن البرنامج الحكومي، مشيراً إلى دورهم في دعم الاقتصاد الوطني والمساهمة في خلق الثروة.
وفي تقييمه للبرنامج، قال إن مضامينه تتضمن عناوين عامة لا تصاحبها، بحسب رأيه، برامج محددة بآجال زمنية واضحة ومصادر تمويل معلنة، فضلاً عن آليات دقيقة لقياس النتائج وتقييمها.
الصحة والتعليم تحت مجهر المساءلة
وفي القطاع الصحي، أثار المستشار البرلماني مسألة المواطنين الذين قال إنهم ما زالوا خارج التغطية الصحية، داعياً إلى إيجاد حلول لتشجيع العاملين في القطاع غير المهيكل على الانخراط في منظومة الضمان الاجتماعي.
وشدد على ضرورة الانتقال من عرض الأرقام والمؤشرات إلى معالجة الاختلالات الميدانية، من خلال التواصل المباشر مع مهنيي الصحة في مختلف المدن والأقاليم. واستشهد، في هذا السياق، بوضعية المستشفى الإقليمي بمكناس، الذي قال إنه يعاني نقصاً في الإمكانات والموارد البشرية.
كما انتقد بعض الممارسات داخل القطاع الصحي الخاص، ولا سيما مطالبة المرضى بتقديم شيكات قبل الولوج إلى المصحات، معتبراً أن استمرار مثل هذه الممارسات يقتضي تدخلاً حازماً لحماية المواطنين.
أما في التعليم، فدعا ملال إلى تقديم رؤية واضحة للسنوات الخمس المقبلة، وإخضاع برنامج «مدارس الريادة» للتقييم من أجل تحديد مدى فعاليته وإمكانية تعميمه على مختلف المناطق.
وأكد أن المطلوب ليس بلوغ المراتب الأولى عالمياً في ظرف وجيز، بل وضع حد لاستمرار المنظومة التعليمية في المراتب المتأخرة، بالتوازي مع تعزيز البحث العلمي وتحسين موقع الجامعات المغربية في التصنيفات الدولية.
كما أثار مسألة استعمال اللغة العربية والدارجة المغربية في الخطاب العمومي، داعياً المسؤولين إلى الاعتزاز باللغة الأم والتاريخ والتراث الوطني.
مليون فرصة عمل وأسئلة بشأن برامج التشغيل
وفي ملف التشغيل، انتقد ملال ما اعتبره غياب تفاصيل كافية بشأن الهدف المعلن لتوفير مليون منصب شغل خلال الولاية الحكومية، مشيراً إلى أن البرنامج يتضمن هذا الرقم دون أن يحدد، بحسب قوله، استراتيجية واضحة أو جدولاً زمنياً لتحقيقه.
كما دعا إلى عدم الاكتفاء بإعادة إنتاج برامج أطلقتها الحكومة السابقة، مستحضراً برنامجي «فرصة» و«أوراش»، اللذين انتقد مردوديتهما وكلفة تمويلهما، كما تحفظ على ما وصفه بالمبالغة في الترويج الإعلامي لنتائجهما.
وحذر في السياق نفسه من وضعية الشباب الذين لا يتابعون الدراسة ولا التكوين ولا يشتغلون، المعروفين اختصاراً بفئة «NEET»، معتبراً أن استمرار إقصائهم من التعليم والتأهيل وسوق العمل يشكل تحدياً اجتماعياً يستدعي حلولاً عملية.
280 مليار درهم ومطلب تقصي الحقائق
وشكلت مسألة مردودية الإنفاق العمومي محوراً أساسياً في مداخلة المستشار البرلماني، الذي دعا إلى فتح تحقيق بشأن مبلغ 280 مليار درهم، وهو الرقم الذي قال إن الحكومة السابقة روّجت له خلال حملتها الانتخابية، مطالباً بتحديد أوجه صرفه ومدى انعكاسه على الأوضاع المعيشية للمواطنين.
واعتبر ملال أن ضبط الأسعار والأسواق وتنظيم سلاسل الإنتاج خطوات مهمة، لكنه شدد على ضرورة أن تصل برامج الدعم إلى مستحقيها، وأن يستفيد المنتجون الصغار من القيمة المضافة بدل استئثار الوسطاء بجزء كبير منها.
ودعا إلى إحداث لجنة لتقصي الحقائق، بهدف تحديد الاختلالات المحتملة وتصحيحها، مؤكداً أن أي شخص يثبت أخذه أموالاً عمومية دون وجه حق ينبغي أن يعيدها ويخضع للمساءلة القانونية.
وفي هذا السياق، استخدم ملال عبارات حادة في انتقاد من اتهمهم بالمساس بالمالية العمومية، مطالباً بعدم الاكتفاء بالوعود المتعلقة بمحاربة الريع والفساد، بل تحويلها إلى إجراءات ملموسة تضمن ربط المسؤولية بالمحاسبة.
المحروقات وتضارب المصالح
وانتقل ملال إلى ملف أسعار المحروقات، داعياً الحكومة إلى فتح نقاش بشأن سبل تخفيف أعبائها على المواطنين، من خلال بحث إمكانية وضع سقف للأرباح، ومراجعة الضرائب، وإعادة طرح مستقبل مصفاة «سامير» في سياق تأمين المخزون الاستراتيجي للمملكة.
كما رحب بما تضمنه التصريح الحكومي بشأن محاربة تضارب المصالح والريع، داعياً إلى إعادة مشروع القانون المتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع إلى مسار المناقشة التشريعية، وإلى مراجعة المقتضيات التي قال إنها تحد من قدرة الجمعيات على تقديم شكايات لحماية المال العام.
وشدد على ضرورة تمكين المجتمع المدني من التبليغ عن التجاوزات، مع التمييز بين ممارسة هذا الحق والابتزاز، معتبراً أن محاربة الفساد تتطلب، قبل كل شيء، إرادة سياسية تبدأ بالمسؤولين والمنتخبين.
وانتقد في هذا الإطار ما اعتبره تفاوتاً في التعامل مع تدبير المال العام، متسائلاً عن أسباب تشديد القيود على بعض المنتخبين المحليين، مقابل السماح، بحسب تعبيره، بوجود علاقات تجارية بين مسؤولين حكوميين والدولة.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت أُضيفت فيه عبارة «النجاعة العمومية» إلى اسم وزارة الاقتصاد والمالية، وهي خطوة تثير، في ضوء النقاش البرلماني، تساؤلات بشأن كيفية قياس مردودية الإنفاق العمومي ومدى انعكاسه على الخدمات الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين.
وبين المطالبة بتقصي مصير الأموال العمومية، وانتقاد برامج التشغيل والصحة والتعليم، دعا ملال الحكومة إلى الانتقال من الالتزامات العامة إلى إجراءات قابلة للقياس، مؤكداً أن نجاح البرنامج الحكومي سيظل مرتبطاً بمدى قدرته على تحقيق نتائج ملموسة وترسيخ مبادئ الشفافية والمحاسبة








