وضع لحسن نازهي، منسق مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، استعادة الثقة في المؤسسات وتنفيذ الالتزامات الاجتماعية في صلب تقييمه للبرنامج الحكومي، محذراً من دلالات ضعف المشاركة في الانتخابات الأخيرة، التي اعتبر نتائجها بمثابة «زلزال سياسي» يستدعي مراجعة عميقة للسياسات العمومية وإصلاحات تتجاوز الوعود العامة إلى التزامات واضحة وقابلة للمحاسبة.
وخلال الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي، اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، دعا نازهي إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسات عبر إصلاح سياسي حقيقي، ومحاربة الفساد والريع وتداخل المال والسلطة، وضمان الحريات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
واعتبر أن استعادة ثقة المواطنين تمثل مدخلاً لتعزيز الجبهة الداخلية وتقوية قدرة المغرب على الدفاع عن قضاياه الوطنية، وفي مقدمتها الوحدة الترابية والسيادة الوطنية.
وفي هذا السياق، سجل أن التصريح الحكومي أكد الدفاع عن مغربية الصحراء، لكنه لم يتطرق، وفق مداخلته، إلى استرجاع سبتة ومليلية وباقي الجزر المحتلة، مشدداً على أن موقف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل من هذه القضية ثابت.
وعود انتخابية تفتقر إلى آجال واضحة
وفي تقييمه لمضامين البرنامج الحكومي، دعا نازهي إلى اعتماد معيار أساسي لقياس مصداقيته، يتمثل في مدى تحويل الوعود الانتخابية إلى التزامات عملية يمكن تتبع تنفيذها ومساءلة المسؤولين بشأنها.
وانتقد ما اعتبره انتقال بعض التعهدات من صيغة الالتزام إلى ربط التنفيذ بتوفر الموارد المالية، مشيراً إلى أن تقدير الإمكانات اللازمة كان ينبغي أن يسبق تقديم الوعود للناخبين.
كما سجل غياب آجال زمنية محددة لتنفيذ عدد من الالتزامات الاجتماعية، أو تأجيلها إلى نهاية الولاية الحكومية، مقابل وضوح أكبر في الأهداف المرتبطة بالعجز والمديونية.
وتساءل عن مدى استفادة الأجراء والفئات الشعبية من ثمار النمو الاقتصادي، في ظل التعويل على الاستثمار والقطاع الخاص، منتقداً عدم تضمين البرنامج التزاماً واضحاً بزيادة عامة في الأجور والمعاشات، رغم تراجع القدرة الشرائية.
الأجور والمعاشات والإصلاح الضريبي
وجعل منسق مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تحسين الدخل أحد أبرز محاور مداخلته، داعياً إلى إصلاح ضريبي شامل يخفف العبء عن أصحاب الأجور المنخفضة والمتوسطة، ويضمن مساهمة أكثر إنصافاً للأرباح الكبرى والثروات.
كما ربط حماية القدرة الشرائية بمواجهة الاحتكار والاختلالات في الأسواق، متسائلاً عن غياب موقف واضح بشأن إعادة تشغيل مصفاة «لاسامير»، في ظل الحديث عن الأمن الطاقي والحاجة إلى تعزيز قدرات التكرير والتخزين الوطنية.
وشدد على أن حماية مداخيل الأسر ينبغي أن تترافق مع ضمان حقوقها الاجتماعية، وتخفيف تكاليف العلاج والتعليم، حتى تتحول الحماية الاجتماعية إلى استفادة فعلية ومستدامة من الخدمات والحقوق الأساسية.
الصحة والتعليم العموميان في صلب المطالب
ودعا نازهي إلى توفير تمويل تضامني ومستدام لمنظومة الحماية الاجتماعية، وتقوية قطاعي الصحة والتعليم العموميين، ومعالجة الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات، إلى جانب تحسين الأوضاع المادية والمهنية للعاملين فيهما.
وأكد أن تقييم السياسات الاجتماعية يجب أن يستند إلى قدرتها على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين جودة الخدمات، وتخفيف الأعباء عن الأسر.
كما أدان ما تعرضت له أطر التعليم الأولي أمام البرلمان، معرباً عن أمله في أن يشكل اللقاء المرتقب مع وزير التربية الوطنية فرصة للاستجابة لمطالب هذه الفئة، التي وصفها بالمهمشة رغم دورها في منظومة التربية والتكوين.
وطرح في هذا السياق تساؤلات بشأن الفجوة بين الخطاب الداعي إلى الإنصاف الاجتماعي والاستجابة الفعلية لمطالب العاملين في القطاع.
إصلاح التقاعد دون المساس بالمكتسبات
وفي ملف التقاعد، جدد نازهي رفض الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لأي إصلاح يحمّل الأجراء كلفته من خلال المساس بدخلهم أو سن التقاعد أو قيمة المعاشات أو الحقوق المكتسبة.
وشدد على ضرورة بناء إصلاح عادل عبر تفاوض فعلي مع النقابات، بما يضمن استدامة أنظمة التقاعد وتحسين المعاشات وصون حقوق المنخرطين.
وربط استدامة هذه الأنظمة بتوسيع قاعدة الشغل المستقر والمصرح به، داعياً إلى إحداث وظائف قارة بأجور منصفة وتغطية اجتماعية فعلية، وربط الاستفادة من الدعم والصفقات العمومية باحترام قانون الشغل والتصريح بالأجراء لدى أنظمة الحماية الاجتماعية.
الحوار الاجتماعي.. من التشاور إلى الالتزام
وانتقد نازهي عدم ذكر النقابات بالاسم في التصريح الحكومي، رغم مكانتها الدستورية، والاكتفاء بالإشارة إلى الانفتاح والتشاور مع الشركاء الاجتماعيين.
واعتبر أن هذه الصيغة لا تعكس، بحسب تقديره، الدور المفترض للحوار الاجتماعي باعتباره آلية للتفاوض وإنتاج الالتزامات، محذراً من اختزاله في مجرد تبادل للآراء دون ضمان تنفيذ الاتفاقات.
ودعا إلى مأسسة الحوار الاجتماعي وفق معايير منظمة العمل الدولية، مشيراً إلى أن ميثاق مأسسته لم يُفعّل بالشكل المطلوب، ومطالباً بالارتقاء به إلى مستوى قانون إطار يحدد قواعد الحوار ومستوياته، ويضمن انتظام جلساته وإلزامية الاتفاقات وآليات تتبع تنفيذها.
كما طالب الحكومة بتنفيذ ما تبقى من الالتزامات الواردة في الاتفاقات الاجتماعية السابقة، مركزياً وقطاعياً، وفق جداول زمنية واضحة، مؤكداً أن تغيير الحكومات لا ينبغي أن يؤدي إلى إسقاط الالتزامات المتفق عليها.
وفي ختام مداخلته، دعا إلى تشجيع المفاوضات الجماعية وضمان الحريات النقابية في القطاع الخاص، إلى جانب مراجعة قانون الإضراب عبر التفاوض، مع مراعاة الملاحظات الدولية المتعلقة بحماية الحق في الإضراب والحريات النقابية.
وتضع مداخلة نازهي البرنامج الحكومي أمام مجموعة من المطالب الاجتماعية والنقابية، تتعلق بالأجور والتقاعد والخدمات العمومية والحوار الاجتماعي، فيما يبقى تنفيذ هذه المطالب مرتبطاً بما ستعتمده الحكومة من تدابير محددة وآجال واضحة وآليات للمساءلة







