– فؤاد بوجبير، باحث في علوم الإدارة (التدبير العمومي)
الغاية الأولى من العمل السياسي هي خدمة المصلحة العامة، وتوحيد المواطنين حول مشروع جماعي، والحفاظ على التماسك الوطني. غير أن المغرب، شأنه شأن العديد من الديمقراطيات، لم يسلم من تصاعد النزعات العدائية في الفضاء العام. فقد أصبحت النقاشات السياسية أكثر استقطاباً، ووسائل التواصل الاجتماعي تضخم من حدة الشتائم، فيما تتوسع دوائر انعدام الثقة.
الكراهية في الوسط السياسي ليست مجرد شعور فردي، بل تتحول إلى قوة اجتماعية مدمّرة، وسمٍّ أخلاقي يهدد الثقة بين المؤسسات والمواطنين. فبدلاً من أن يكون العمل السياسي فنّاً في إدارة الاختلاف باحترام التنوع، أصبح رهينة لمنطق الصراع والريبة.
وفي بلد مثل المغرب، المنخرط في دينامية الإصلاح والتحديث والعدالة الاجتماعية، فإن هذه الانحرافات ليست مجرد تفاصيل. إنها تستهلك الطاقات التي ينبغي أن تُوجَّه نحو الحوار البنّاء، وتعرقل تنفيذ السياسات العمومية الضرورية للتنمية.
وسنبيّن من خلال هذا المقال أن الكراهية في الوسط السياسي المغربي، ليست مجرد نتيجة عرضية للتعددية الديمقراطية، بل تشكل تهديداً للعقلانية في النقاش، وللثقة المدنية، وللغاية الأخلاقية للسياسة.
1 *. الكراهية السياسية : مرض العواطف الجماعية*
*- العاطفة في صميم العمل السياسي*
منذ أرسطو، ارتبطت السياسة بالعواطف الإنسانية. لكن الكراهية، بخلاف الغضب، لا تسعى إلى إصلاح ظلم، بل تهدف إلى تدمير الآخر. هذا المنطق، الذي أشار إليه الفيلسوف سبينوزا، يمكن رصده كذلك في المشهد السياسي المغربي، حيث يتحول الخصم الأيديولوجي أحياناً إلى عدوٍّ أخلاقي.
في سياقات يغلب عليها الانتماء الحزبي أو الجهوي، تصبح العواطف الجماعية أدوات للإقصاء. وكما أوضح عالم النفس الكندي ألبرت باندورا في نظريته حول “فك الارتباط الأخلاقي”، فإن الفاعلين السياسيين الذين يعتقدون أنهم يدافعون عن قضية عادلة، إنما يبررون الكراهية أو السخرية من الطرف الآخر.
وهكذا، يتحول الصراع الفكري، سواء في البرلمان أو في البرامج التلفزية أو على شبكات التواصل، إلى مواجهة هوياتية تُفرغ السياسة من مضمونها العقلاني.
*- الصناعة الاجتماعية للكراهية*
وصف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو المجال السياسي بأنه فضاء صراعات رمزية. وفي المغرب، يخترق هذا المجال منطق الأجهزة الحزبية والوجاهة والتنافس الانتخابي، حيث تصبح الخطابات العدائية وسيلة للتعبئة.
تعمل الكراهية السياسية هنا كـ”رأسمال عاطفي” يوحّد صفوف فريق عبر شيطنة الفريق الآخر. ويزيد من حدّة هذا الأمر الاستخدام الشعبوي أحياناً للخطاب العام، حيث تتحول الانتقادات المشروعة إلى حملات تشويه ممنهجة.
وكما أشار عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس، فإن التمدّن السياسي يقوم على ضبط الانفعالات. وعندما تتسلل الكراهية إلى الخطاب العمومي، فإنها تعبّر عن تراجع في مسار التهذيب الاجتماعي والنضج الديمقراطي.
2 *. الآثار المدمّرة للكراهية على الديمقراطية والمصلحة العامة*
*- تفكك الرابط المدني والعقلانية السياسية*
نبهت الباحثة السياسية الأمريكية حنّة أرندت إلى أن الكراهية السياسية تهيئ دائماً الأرضية للاعقلانية الجماعية. وفي المغرب، حيث لا تزال الديمقراطية التمثيلية في طور البناء، يبدو هذا الخطر أكثر حساسية. فعندما يتحول النقاش العام إلى تبادل للاتهامات، يتم تهميش التفكير النقدي.
و في نفس الاتجاه، فقد شدّد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس على أن الاحترام المتبادل شرط للحوار الديمقراطي. غير أن تدهور الخطاب السياسي، من تبادل الشتائم في البرلمان إلى حملات التشهير على الإنترنت، يضعف هذه الثقافة. ويصرف الانتباه عن التحديات الكبرى : التعليم، تشغيل الشباب، الصحة، الانتقال البيئي، إصلاح الإدارة، وغيرها من الملفات الحارقة.
وهكذا، لا تدمّر الكراهية قيم التهذيب فقط، بل تذيب القدرة الجماعية على التفكير في المستقبل وإدارة الشأن العام بهدوء.
*- الاستغلال الإعلامي وتشويش الواقع*
تلعب وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب دوراً مزدوجاً، فهي تتيح تعددية الأصوات، لكنها أيضاً تضخم المشاعر السلبية. وكما لاحظ عالم الاجتماع الفرنسي دومينيك فولتون، فإن التواصل السياسي المعاصر يفضّل العاطفة على العقل.
فالقضايا تتحول إلى جدالات آنية وانفعالية، غالباً منقطعة الصلة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، مما يصرف المواطن عن جوهر النقاش. فتصبح الكراهية عرضاً إعلامياً، ووسيلة للظهور أكثر من كونها موقفاً سياسياً.
هذا التشويش على الواقع يزرع نفوراً ديمقراطياً، إذ تُختزل السياسة إلى مسرح للمنافسات، بدل أن تكون مشروعاً مجتمعياً. ويُستبدل زمن الإصلاح والتفكير بزمن الانفعال اللحظي.
3 *. نحو أخلاق سياسية قائمة على الرفق والوعي*
*- المحبة السياسية : الضرورة الفضلى*
أمام تصاعد التوترات، يمكن للمغرب أن يستلهم من تقاليده الروحية والملكية القائمة على الاعتدال والحكمة واحترام التعدد. وكما يؤكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، فإن السياسة هي أولاً عمل لخدمة الوطن.
وقد دعا مفكرون مثل إدغار موران إلى تنمية “الذكاء العاطفي” في الممارسة السياسية. فاللطف ليس ضعفاً، بل شجاعة. إنه يعني الاعتراف بكرامة الخصم وفهم حججه دون اعتباره عدواً. أما الفيلسوف بول ريكور، فقد تحدث عن “صراع بلا كراهية”، حيث يصبح الخلاف مصدر تحسين لا وسيلة للإقصاء.
إنها الأخلاق السياسية القائمة على الرفق التي يجب إعادة إحيائها في الحياة العامة المغربية: نقاش صارم ومسؤول، لكنه محترم ومتوازن.
*- إعادة تركيز النقاش حول المصلحة العامة*
الخروج من دوامة الكراهية يقتضي استعادة الإحساس بالعدالة، والإيمان المشترك بأن السياسة يجب أن تخدم الصالح العام. وبالنسبة للمغرب، يعني ذلك إعادة توجيه النقاش نحو الأولويات الوطنية: التماسك الاجتماعي، التنمية البشرية، العدالة المجالية.
ذكّر ماكس فيبر بأن السياسة هي “الحفر البطيء في ألواح صلبة”، أي أنها تتطلب الصبر والمنهج والمسؤولية. أما الكراهية، إذ تشجع الاندفاع والمزايدات، فهي تدمر هذا الزمن البنّاء.
إعادة تعلم فن الحوار والإنصات والنقاش دون تدمير، هو السبيل لإعادة السياسة المغربية إلى معناها الأصيل: خدمة الجماعة واحترام تنوع الآراء.
*- الكراهية عائق أمام البناء والانضباط المؤسسي*
في مجتمع يسعى إلى التنمية كالمغرب، لا تهدد الكراهية السياسية المناخ الأخلاقي فحسب، بل تمس مباشرة الانضباط والجدية الضروريين لحسن سير المؤسسات.
فالتنمية تحتاج إلى الانسجام والاستمرارية والتعبئة الجماعية حول الأهداف الوطنية. غير أن الكراهية تزرع الشك والفوضى والشلل، وتحرف الطاقات عن البناء نحو الصراعات العقيمة.
وعوض التعاون بين الإدارات والمؤسسات بروح الخدمة، تتفكك بفعل المنافسات والحسابات الحزبية. وتؤدي هذه الثقافة القائمة على الشك إلى إضعاف المهنية، وتدهور الانضباط، وتقويض جودة الحوكمة.
وكما يؤكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، فإن من الضروري القطع مع سلوكيات التهاون والمجاملة واللامسؤولية في الإدارة والتدبير العمومي، والدعوة إلى ترسيخ ثقافة الجدية والانضباط وربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن التزام الفاعلين العموميين هو أساس تلبية تطلعات المواطنين وضمان حسن الحوكمة.
إن الكراهية السياسية نقيض هذه الثقافة الجادة، فهي تفرّق حين يجب التنسيق، وتؤذي حين ينبغي البناء، وتؤخر حين يجب التسريع. وفي دولة تطمح إلى نجاعة مؤسساتية، تشكل الكراهية عائقاً أساسياً أمام الفعالية والشفافية والثقة.
لذلك، فإن محاربة الكراهية السياسية هي في جوهرها معركة من أجل الحوكمة الجيدة، والمسؤولية، والتقدم.
*خاتمة*
الكراهية في الوسط السياسي المغربي ليست مجرد انحراف أخلاقي، بل تعبّر عن توتر عميق بين العاطفة والعقل، بين السلطة والخدمة، بين الاستعراض والمسؤولية. إنها، إذ تضعف الثقة، تضر بالديمقراطية الناشئة، وتشتت جهود البلاد عن تحدياتها الحقيقية.
والرد يجب أن يكون أخلاقياً وثقافياً وتربوياً، عبر استعادة ثقافة الحوار وتقدير السلوك السياسي المسؤول.
وقد شدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مراراً على ضرورة تعبئة جميع أبناء الوطن دون إقصاء أو تهميش، مؤكداً أن الوطن بحاجة إلى جهود الجميع لمواجهة التحديات الجماعية، داعياً إلى التضامن والوحدة لبناء مستقبل مشترك. كما جدّد جلالته التأكيد على أهمية إعادة التفكير في النموذج التنموي الوطني ليكون أكثر شمولاً وعدلاً واستجابة لتطلعات الشعب، بهدف تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
إنّ بناء هذه الأخوّة السياسية، المبنية على الوعي والرفق، هو السبيل الذي يمكّن المغرب من ترسيخ ديمقراطيته وبناء مستقبل جماعته الوطنية بثقة وطمأنينة.









































