تحوّل تصريح النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، أحمد التويزي، إلى عاصفة سياسية وإعلامية غير مسبوقة، بعدما اتهم بعض شركات الدقيق بـ”طحن الورق وتقديمه للمواطنين على أنه دقيق مدعم”، في إشارة إلى وجود اختلالات محتملة في منظومة دعم القمح.
تصريح صادم يشعل مواقع التواصل
العبارة التي أطلقها التويزي تحت قبة البرلمان، أثناء مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، انتشرت بسرعة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول في غضون ساعات إلى قضية رأي عام، لأنها لامست أحد أكثر الملفات حساسية في المغرب: غذاء المواطنين وأمنهم الغذائي.
تصريحه جاء في سياق انتقاده لما اعتبره “سوء تدبير أموال الدعم العمومي”، مشيراً إلى أن نحو 16.8 مليار درهم تُصرف سنوياً على دعم القمح دون مراقبة فعالة، وأن “جزءاً كبيراً منها لا يصل إلى مستحقيه”، داعياً إلى اعتماد السجل الاجتماعي الموحّد لتوجيه الدعم مباشرة إلى الأسر الفقيرة.
المهنيون يردّون بغضب: “اتهام يضرب المصداقية”
ردّ الفعل لم يتأخر. فقد خرج عبد القادر العلوي، رئيس الفيدرالية الوطنية للمطاحن، ليصف كلام التويزي بأنه “خطأ غير مغفور” يمسّ قطاعاً حيوياً. وقال العلوي إن مثل هذه التصريحات “تضرب في مصداقية صناعة وطنية تؤمن خبز المغاربة منذ عقود”.
وأكد أن الفيدرالية ستعقد اجتماعاً طارئاً لمكتبها الوطني من أجل بحث إمكانية اللجوء إلى المساطر القانونية، مضيفاً أن ما قاله البرلماني “غير منطقي ولا واقعي”، لأن “قيمة الورق أعلى من الدقيق نفسه”.
وأوضح العلوي بالأرقام أن مبلغ الدعم الذي أشار إليه النائب “يعادل 60 مليون قنطار من القمح الطري، وهو رقم ضخم يكفي لتغطية استهلاك المغاربة لأكثر من سنة ونصف”، مؤكداً أن “الحديث عن طحن الورق بهذا الحجم من الدعم أمر مستحيل مادياً”.
وأشار أيضاً إلى أن الدعم العمومي لا يُمنح للمطاحن مباشرة، بل يُوجَّه إلى المستوردين لتغطية الفارق بين سعر الاستيراد وسعر البيع المحدد في 172 درهماً للقنطار، وهو دعم “تم توقيفه منذ ماي الماضي بعد تراجع الأسعار العالمية للحبوب”.
أما الدقيق المدعم، فأوضح أنه لا يتجاوز 1.3 مليار درهم سنوياً، ويخضع لمراقبة دقيقة تشرف عليها وزارات الفلاحة والداخلية والمالية، تشمل مراحل الإنتاج والنقل والتوزيع.
وختم العلوي بالقول: “أبوابنا مفتوحة أمام الجميع، ومن يشكك في جودة الدقيق فليزر المطاحن ويرى بنفسه كيف نعمل بدل إطلاق اتهامات مجانية.”
من نقد برلماني إلى مواجهة سياسية
القضية لم تبقَ بين نائب ومهنيين، بل أخذت بُعداً سياسياً أوسع، خاصة وأن التويزي ينتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، أحد أركان التحالف الحكومي. فتصريح من هذا الحجم ضد قطاع يخضع لوصاية وزارات يقودها حلفاؤه، أظهر التوتر الكامن داخل الأغلبية الحكومية في سنة انتخابية حاسمة قبل استحقاقات 2026.
ويرى مراقبون أن ما قاله التويزي “لم يكن زلة لسان”، بل رسالة سياسية موجهة للحكومة حول ملف طالما وُصف بـ“الصندوق الأسود” للدعم العمومي. بينما يعتبر آخرون أن البرلماني “أخطأ التقدير” وفتح مواجهة غير محسوبة مع قطاع يشغل آلاف العمال ويُعتبر من ركائز الأمن الغذائي الوطني.
بين الرقابة والاتهام.. من يحسم الجدل؟
أعادت هذه الأزمة إلى الواجهة ملف الدقيق المدعم الذي ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية في علاقة الدولة بالمواطنين، خصوصاً في القرى والمناطق الجبلية حيث يشكل المورد الغذائي الأساسي للأسر الفقيرة.
وتعددت المطالب داخل البرلمان بضرورة فتح تحقيق رسمي لتوضيح الحقائق، في حين يحذر المهنيون من أن “التعميم في الاتهامات دون أدلة” قد يزعزع الثقة في أحد أهم القطاعات الاقتصادية بالمغرب.
وفي الوقت الذي تستعد فيه الفيدرالية لإصدار بيان رسمي عقب اجتماعها الطارئ، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة:
هل ما قاله التويزي سوء تقدير سياسي أم جرس إنذار حقيقي حول اختلالات في منظومة الدعم الغذائي؟
وأي مآل سيعرفه هذا الملف الذي فجر عاصفة غير مسبوقة تحت قبة البرلمان؟









































