تتزايد المؤشرات على قوة ظاهرة «إل نينيو» المناخية خلال خريف 2026، بعدما كشفت بيانات الأقمار الاصطناعية عن تغيرات واضحة في المحيط الهادئ، تشمل ارتفاع حرارة المياه ومستوى سطح البحر، إلى جانب تحولات في لون المحيط، وهي مؤشرات تتابعها وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» عن كثب، تحسبا للتأثيرات المحتملة لهذه الظاهرة على الطقس في مناطق مختلفة من العالم.
وسلطت ناسا، في 15 أكتوبر الجاري، الضوء على المعطيات التي جمعتها أجهزتها الفضائية، مشيرة إلى أن التطورات المسجلة قد تنذر بواحد من أقوى أحداث «إل نينيو» منذ عقود. ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه التقديرات المناخية إلى استمرار الظاهرة حتى فبراير 2027، وفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
وتتكرر ظاهرة «إل نينيو» عادة كل سنتين إلى سبع سنوات، لكنها تبدو خلال العام الجاري أكثر قوة من المعتاد. وكانت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي قد قدرت، خلال أكتوبر، احتمال تسجيل أقوى حدث لهذه الظاهرة منذ عام 1950 بنسبة تصل إلى 83 في المائة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام العلمي بتطوراتها.
وتندرج «إل نينيو» ضمن ظاهرة مناخية طبيعية تعرف باسم «التذبذب الجنوبي لظاهرة إل نينيو»، وترتبط بتغير درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ، خاصة في أجزائه الوسطى والشرقية. وتتخذ هذه الظاهرة ثلاث حالات، تتمثل في «إل نينيو» التي ترتبط بارتفاع حرارة المياه، و«لا نينيا» التي تتميز ببرودتها، فضلا عن الحالة المحايدة التي لا تهيمن فيها أي من المرحلتين.
ورغم أن الظاهرة طبيعية، فإن تأثيراتها قد تصبح أكثر حدة في ظل الاحترار العالمي. ولا تتوفر أدلة حاسمة على أن التغير المناخي يؤدي إلى زيادة تواتر ظاهرة «إل نينيو» أو قوتها، غير أن ارتفاع حرارة المحيطات والغلاف الجوي قد يفاقم تداعياتها، من خلال توفير مزيد من الطاقة والرطوبة لموجات الحر والأمطار الغزيرة، فضلا عن دفع متوسط درجات الحرارة العالمية نحو مستويات أعلى.
وتكشف القياسات الحديثة عن حجم التحولات الجارية في المحيط الهادئ، إذ ارتفعت درجات حرارة سطح المياه في جزئه الشرقي بنحو 1.7 درجة مئوية فوق المعدل طويل الأمد، مع توقعات بإمكانية تسجيل ارتفاع إضافي خلال الأشهر المقبلة. وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة، بالنظر إلى دور حرارة المحيطات في التأثير على الأنظمة الجوية وتوزيع الأمطار ودرجات الحرارة عبر العالم.
وتعتمد ناسا على مجموعة من الأقمار الاصطناعية لرصد هذه التغيرات، من بينها القمر «سنتينل-6»، الذي يقيس ارتفاع سطح المحيطات بشكل دوري كل عشرة أيام، بما يتيح تتبع التغيرات المرتبطة بتمدد المياه نتيجة ارتفاع حرارتها. وتتكامل هذه القياسات مع البيانات التي توفرها العوامات وأجهزة الرصد التابعة للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، بهدف تكوين صورة أكثر دقة عن تطور الظاهرة.
ولا تقتصر المؤشرات التي رصدها العلماء على ارتفاع الحرارة ومستوى سطح البحر، بل تشمل أيضا تغيرا في لون مياه المحيط الهادئ. فقد أظهرت بيانات القمر الاصطناعي «PACE»، الذي أطلقته ناسا عام 2024 لمراقبة المحيطات والغلاف الجوي، أن المياه في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ أصبحت أكثر زرقة خلال الأشهر الأخيرة، في تحول يرتبط بالتغيرات التي تحدثها الظاهرة في البيئة البحرية.
ويفسر العلماء هذه الظاهرة بتراجع كميات العوالق النباتية المجهرية، التي تؤدي دورا أساسيا في السلسلة الغذائية البحرية، وتسهم في منح المياه ألوانا تميل إلى الأخضر أو البني. وتتكاثر هذه الكائنات في المياه الباردة والغنية بالعناصر الغذائية، التي تصل إلى السطح بفعل حركة المياه العميقة.
لكن خلال فترات «إل نينيو»، تضعف الرياح التجارية التي تساعد على صعود المياه العميقة الغنية بالمغذيات، ما يقلل من توفر الغذاء الضروري لنمو العوالق النباتية. ومع تراجع انتشارها، يصبح لون المياه أكثر ميلا إلى الأزرق، وهو تغير لا يعكس مجرد اختلاف بصري، بل يشير إلى تحولات في التوازن البيئي للمحيط.
وتحذر ناسا من أن تراجع العوالق النباتية قد ينعكس على مختلف مستويات الحياة البحرية، إذ يمكن أن يؤدي انخفاض مصادر الغذاء إلى دفع أنواع من الكائنات البحرية إلى تغيير مناطق تغذيتها، بما قد يؤثر على حركة الأنواع وتوازن النظم البيئية.
وتواصل الوكالة الأمريكية تتبع تطورات «إل نينيو» عبر الأقمار الاصطناعية، في محاولة لفهم نطاق تأثيراتها المحتملة على المناخ والحياة البحرية. وبين ارتفاع حرارة المياه وتغير لون المحيط، تبرز أهمية هذه القياسات في تحسين التوقعات المناخية والاستعداد للاضطرابات الجوية التي قد تطال مناطق مختلفة من العالم خلال الأشهر المقبلة.







