في خضم التحديات المتزايدة التي تفرضها ندرة المياه على الصعيد الوطني، يشهد إقليم آسفي دينامية غير مسبوقة من خلال إطلاق سلسلة مشاريع مائية مهيكلة، تتقاطع فيها التكنولوجيا الحديثة مع الاستدامة البيئية والإدماج الترابي، في توجه يعكس حرص السلطات والمؤسسات الشريكة على تدبير مندمج وفعال لهذه المادة الحيوية.
واحدة من أبرز هذه المبادرات تتجسد في انطلاق أشغال المحطة الجديدة لتحلية مياه البحر “موجة 2” داخل المركب الصناعي للمكتب الشريف للفوسفاط بآسفي، والتي تأتي استكمالًا للوحدة الأولى التي بدأت نشاطها سنة 2024. المشروع الجديد، الذي تصل طاقته السنوية إلى 150 مليون متر مكعب، سيمكن من تغطية حاجيات منشآت صناعية كبرى بكل من مزيندة وابن جرير واليوسفية، إضافة إلى دعم التزود بالماء لمدينة مراكش التي تعرف ضغطًا متزايدًا على مواردها المائية.
وفي تصريح صحفي، أوضح عثمان أبوسلهام، مدير العمليات بشركة المياه الخضراء التابعة للمكتب الشريف للفوسفاط، أن أشغال “موجة 2” دخلت حيز التنفيذ فعليًا، ومن المنتظر أن تستمر لمدة 15 شهرًا. كما أشار إلى أن هذه المحطة تمثل المرحلة الثانية من برنامج طموح انطلق سنة 2022، وأسفر عن إنجاز أول محطة تحلية بطاقة 40 مليون متر مكعب سنويًا، مكّنت بدورها من تأمين حاجيات مدينة آسفي من الماء الشروب بنسبة 100 في المئة.
ويقوم هذا النموذج الجديد على مقاربة دائرية ومستدامة، تجمع بين تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة في المجال الصناعي، بما يضمن استغلالا أمثل للموارد المائية ضمن دورة متكاملة من البحر إلى الاستهلاك فإلى التدوير. ووفق توقعات المكتب، ستبلغ القدرة التراكمية للمنظومة 200 مليون متر مكعب سنويًا بحلول عام 2027، في انسجام مع رؤية المجموعة الخضراء التي تم إطلاقها أواخر 2022.
إلى جانب الطابع الصناعي للمشروع، يبرز البعد الاجتماعي والاقتصادي في هذه الأوراش، من خلال تشغيل نحو 1200 عامل، أغلبيتهم من أبناء إقليم آسفي، فضلا عن الانخراط الفعلي للمقاولات الوطنية، التي تستأثر بـ70 في المئة من خدمات المشروع.
بالتوازي مع هذا المشروع الطموح، تعمل الشركة الجهوية متعددة الخدمات لمراكش-آسفي على تنزيل برنامج استراتيجي ثانٍ، يستهدف المناطق القروية والمراكز النائية بالإقليم، ضمن خطة وطنية استعجالية للتصدي للإجهاد المائي، بتمويل مشترك بين وزارة الداخلية ومجلس جهة مراكش-آسفي.
في هذا السياق، صرح محمد كورماط، رئيس قسم الدراسات وأشغال الماء الصالح للشرب بمديرية آسفي، أن البرنامج يشمل إحداث 43 محطة لتحلية مياه البحر والمياه الأجاج على صعيد الجهة، منها 12 محطة على مستوى إقليم آسفي، موزعة بين جماعات قروية ومراكز شبه حضرية. وقد دخلت 6 منها حيز الخدمة بالفعل، فيما تتواصل الأشغال بوتيرة متقدمة في الست الأخرى.
ووفق المتحدث، فإن هذه المحطات ستوفر حلولا عاجلة لساكنة القرى، عبر الربط المباشر بشبكات الماء أو من خلال خزانات متنقلة تم اقتناؤها خصيصًا لتلبية الاحتياجات في المناطق المعزولة.
هكذا، وبين أوراش ذات طابع صناعي واستراتيجي من جهة، ومشاريع اجتماعية موجهة نحو العالم القروي من جهة أخرى، يرسّخ إقليم آسفي مكانته كقطب وطني في مقاربة جديدة لتدبير المياه، في ظل الضغوط المناخية المتزايدة وارتفاع الطلب على الموارد الحيوية










































