لم تكن كأس إفريقيا للأمم 2025 مجرد تظاهرة كروية احتضنتها المملكة بين دجنبر 2025 ويناير 2026، بل كانت اختباراً مؤسساتياً واسع النطاق لمدى جاهزية المغرب لتنظيم استحقاقات أكبر، وفي مقدمتها كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال. وبين المدرجات الصاخبة وغرف القيادة الأمنية والمكاتب القضائية المحدثة داخل الملاعب، كانت الدولة تختبر نموذجاً متكاملاً في تدبير الأحداث الرياضية الكبرى.
في مدن الرباط والدار البيضاء ومراكش وأكادير وفاس وطنجة، لم يكن الرهان أمنياً فقط، بل كان قانونياً وتنظيمياً أيضاً. فقد جرى إحداث تسعة مكاتب قضائية لتدبير القضايا الزجرية داخل الملاعب، في سابقة تعكس انتقال العدالة من بنايات المحاكم إلى فضاءات الحدث نفسه. هذه المقاربة لم تكن إجراءً ظرفياً، بل جزءاً من رؤية أوسع تروم تكريس “العدالة القريبة” وضمان الأمن القانوني بالتوازي مع الأمن الميداني.
الأرقام المسجلة خلال البطولة تعكس حجم التعبئة والانضباط في آن واحد. فقد تم تسجيل 529 تدخلاً أمنياً، و202 شخصاً قدموا أمام المكاتب القضائية في إطار 152 مسطرة. ورغم تنوع المخالفات، تصدرت قضايا الدخول إلى الملاعب دون سند قانوني أو عبر التدليس قائمة الأفعال، فيما بقي الطابع العام للسلوك الجماهيري منضبطاً. كما شكلت آلية الصلح الزجري نسبة مهمة من المعالجات، في تجسيد عملي لمفهوم العدالة التصالحية وتفادي إثقال كاهل المحاكم بقضايا بسيطة.
اللافت في التجربة هو الطابع المندمج للتدخل. فقد اعتمدت المديرية العامة للأمن الوطني منظومة متعددة الأبعاد، شملت تعزيز شرطة الحدود، وإحداث مركز التعاون الشرطي الإفريقي، واعتماد تكنولوجيات المراقبة بالكاميرات والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في تدبير الحشود. كما جرى تعبئة ما بين 3000 و4000 عنصر أمني في كل مباراة، وفق بروتوكولات دقيقة تراعي طبيعة كل لقاء وعدد جماهيره.
في المقابل، وفرت وزارة العدل الربط الفوري بالمكاتب القضائية عبر منظومة التدبير القضائي، واعتمدت الأداء الإلكتروني للغرامات، مع تعبئة مترجمين وأطر متخصصة لضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، بما في ذلك للأجانب الذين مثلوا نحو خُمس الحالات المعروضة.
غير أن أهمية هذه التجربة لا تقف عند حدود الأرقام أو حسن التنظيم الظرفي. فالمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة خبرة متنامية في احتضان التظاهرات القارية والدولية، مستنداً إلى استقرار مؤسساتي وبنيات تحتية حديثة في النقل والاتصال والملاعب والفندقة. كما أن موقعه الجغرافي كبوابة بين إفريقيا وأوروبا يمنحه بعداً استراتيجياً يعزز قدرته على لعب دور حلقة وصل حضارية ورياضية بين القارتين.
سياسياً ودبلوماسياً، يعكس رهان مونديال 2030 ثقة دولية متزايدة في قدرة المملكة على تدبير أحداث كبرى بشراكة متوازنة مع قوى أوروبية، في نموذج تعاون عابر للمتوسط. وهو رهان يتجاوز كرة القدم ليطال صورة الدولة ومكانتها الاقتصادية والسياحية والاستثمارية.
من هنا، تبدو “كان 2025” أكثر من بطولة ناجحة؛ إنها تمرين سيادي على إدارة التعقيد، واختبار عملي لانسجام المؤسسات، وبروفة حقيقية لموعد عالمي ينتظر أن يضع المغرب في صدارة المشهد الرياضي الدولي. وبين التجربة الإفريقية والطموح العالمي، تتشكل ملامح بلد لا يراهن فقط على استضافة العالم، بل على ترسيخ مكانته كقوة تنظيمية صاعدة في محيطه الإقليمي والدولي.









































