كشفت معطيات واردة في تقارير رسمية حديثة عن اتساع لافت لرقعة الوحدات الصناعية غير المرخصة بضواحي عدد من المدن الكبرى، خاصة في محيط الدار البيضاء ومراكش والرباط، في مشهد يعكس تصاعد نشاط القطاع غير المهيكل وتحوله إلى واقع اقتصادي واجتماعي معقد، يطرح تحديات حقيقية على مستوى الحكامة المحلية وحماية الموارد العمومية وضمان سلامة المواطنين. هذه الوحدات، التي تنشط خارج أي إطار قانوني، لم تعد تقتصر على أنشطة تقليدية صغيرة، بل باتت تضم معامل ومصانع تستعمل معدات حديثة وتشتغل بوتيرة مرتفعة، مستفيدة من هشاشة المراقبة وتداخل الاختصاصات.
وتشير المعطيات ، إلى أن عددا من المحلات التجارية الواقعة داخل أحياء سكنية، خاصة بالجماعات المحيطة بالمدن الكبرى، جرى تحويلها بشكل غير قانوني إلى وحدات صناعية متخصصة في مجالات متعددة، من قبيل النسيج وطرز الأثواب والنجارة والخراطة والصناعات الغذائية. وتعمل هذه الوحدات لساعات متأخرة من الليل، وتشغل يدا عاملة في أوضاع تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط القانونية، سواء من حيث التصريح أو شروط السلامة والصحة المهنية، ما يجعلها بؤرا محتملة للمخاطر الاجتماعية والإنسانية.
و كشفت التقارير ذاتها عن استغلال واسع للموارد العمومية، خصوصا الماء الصالح للشرب والتيار الكهربائي، دون أداء الواجبات المستحقة، في وقت تعاني فيه العديد من المناطق من ضغط متزايد على هذه الموارد. كما أن استعمال معدات ثقيلة داخل أحياء سكنية يفاقم من الأخطار المرتبطة بسلامة المباني والبنية التحتية، ويؤثر بشكل مباشر على جودة عيش السكان المجاورين، الذين يجدون أنفسهم أمام ضجيج دائم وتلوث متنوع دون أي حماية قانونية.
وتبرز الحالات المسجلة في ضواحي الدار البيضاء حجم الإشكال، حيث تحولت بعض التجزئات السكنية إلى فضاءات شبه صناعية، تحتضن معامل خراطة وورشات تصنيع مختلفة، ما أثار شكايات متكررة من طرف السكان بسبب الأضرار الصحية والبيئية، فضلا عن التخوف من انهيارات محتملة أو حرائق ناتجة عن غياب شروط السلامة. كما سجلت التقارير انتشار وحدات عشوائية داخل ضيعات فلاحية، جرى الترخيص لها في الأصل لأنشطة مرتبطة بالتبريد أو التخزين الفلاحي، قبل أن تتحول إلى فضاءات لإنتاج صناعي غير مصرح به، في التفاف واضح على القوانين الجاري بها العمل.
و رصدت التقارير اختلالات مرتبطة باستغلال رخص فلاحية في بناء مستودعات عشوائية احتضنت أنشطة صناعية متوسطة وخفيفة، بعضها محظور قانونا، مثل صناعة الأكياس والمنتجات البلاستيكية. وتظهر هذه المعطيات كيف أصبح القطاع غير المهيكل قادرا على التكيف مع الضوابط القانونية عبر التحايل واستغلال الثغرات، بل والاستمرار في النشاط رغم صدور أحكام قضائية تقضي بالإلغاء أو الهدم، ما يطرح علامات استفهام حول نجاعة مساطر التنفيذ والمتابعة.
وكشفت التوجيهات الصادرة في هذا الصدد عن توجه نحو تشديد المراقبة والتدخل الميداني لتطويق هذه الأنشطة، خاصة تلك المتمركزة داخل أحياء سكنية أو مناطق فلاحية، مع التركيز على تجمعات صناعية سرية معروفة بإنتاج مواد محظورة، وعلى رأسها الأكياس البلاستيكية. ويعكس هذا التوجه إدراكا رسميا بخطورة تمدد هذه الوحدات، ليس فقط من زاوية مخالفة القانون، بل أيضا من حيث تأثيرها على البيئة والموارد المائية والفرشة الجوفية، فضلا عن تشويهها للنسيج العمراني وتحويل بعض مناطق البناء العشوائي والتجزئات الجديدة إلى مراكز إنتاج غير مراقبة.
ويبرز هذا الوضع الحاجة إلى مقاربة شمولية لمعالجة ظاهرة القطاع غير المهيكل بضواحي المدن، تقوم على تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتفعيل المراقبة القبلية والبعدية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع التفكير في حلول إدماجية تسمح بانتقال تدريجي للأنشطة القابلة للتقنين إلى الإطار المنظم. فاستمرار انتشار الوحدات الصناعية غير المرخصة لا يهدد فقط التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، بل يقوض أيضا مجهودات التخطيط الحضري والتنمية المستدامة، ويضع السلطات أمام اختبار حقيقي في حماية الصالح العام وضمان احترام القانون.










































