جددت منظمة “ترانسبرانسي المغرب” تشخيصها القاتم لوضعية الفساد في البلاد، مؤكدة أن الجهود المبذولة طيلة ثلاثة عقود نجحت في جعل مكافحة الرشوة قضية حاضرة بقوة في النقاش العمومي، لكنها فشلت في إحداث تحول حقيقي على مستوى السياسات العمومية والممارسات المؤسساتية. ففي ندوة صحفية عقدتها بهذه المناسبة، شددت المنظمة على أن المغرب لم يحرز أي تقدم ملموس في محاصرة الفساد، رغم الاعتراف الرسمي بخطورته وتأثيره المباشر على التنمية والثقة في المؤسسات.
واعتبرت المنظمة أن النقاش حول الفساد عرف خلال السنوات الأخيرة زخما ملحوظا، بفعل تطور عمل منظمات المجتمع المدني وارتفاع منسوب الوعي المجتمعي بخطورة الرشوة وتكلفتها الاقتصادية والاجتماعية. غير أن هذا الوعي، حسب المنظمة، لم يُترجم إلى إجراءات عملية ناجعة، إذ ظل الاعتراف الرسمي بكون الرشوة “عائقا مركزيا أمام التنمية” حبيس الخطابات، دون أن يواكبه تنزيل فعلي لسياسات قادرة على كبح طابعها المزمن والنسقي.
وسجلت “ترانسبرانسي المغرب” أن الإطار القانوني، رغم تعدده، ما يزال يعاني من أعطاب بنيوية تعرقل أي تقدم حقيقي في هذا المجال. وأبرزت أن عددا من القوانين الأساسية إما غير مفعلة أو مفرغة من مضمونها، وعلى رأسها قوانين التصريح بالممتلكات، والحصول على المعلومات، وحماية المبلغين عن الفساد. كما انتقدت المنظمة ما وصفته بالقوانين “المخيبة للآمال”، خاصة بعض المقتضيات القانونية التي تحد من فعالية المتابعة القضائية في قضايا الفساد، وتساهم في تكريس الإفلات من العقاب بدل محاصرته.
وحذرت المنظمة من أن غياب الاستقلالية الفعلية للهيئات المكلفة بالمراقبة والتتبع، إلى جانب ضعف المساءلة، يشكلان أرضية خصبة لاستمرار الفساد وتطوره. كما أشارت إلى تجميد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة، معتبرة أن هذا التجميد يعكس غياب رؤية واضحة والتزام سياسي حقيقي بإجراء إصلاحات عميقة تمس جوهر المنظومة، وليس فقط مظاهرها السطحية.
وأكدت “ترانسبرانسي المغرب” أن حجم الفساد المتفشي يتجاوز بكثير قدرات منظمات المجتمع المدني، مهما بلغت خبرتها أو استقلاليتها، وهو ما يفرض، حسب تعبيرها، تحركا عاجلا للدولة من أجل الحد من تضارب المصالح، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب التي تقوض الثقة في المؤسسات وتضعف الإحساس بالعدالة.
وفي هذا السياق، نبهت المنظمة إلى ما اعتبرته “تراجعا ملحوظا” في التزام الدولة بمحاربة الفساد، تجسد في تضييق الخناق على عمل منظمات المجتمع المدني عبر نصوص قانونية تتعارض مع المعايير الدولية لمكافحة الفساد، ومع الالتزامات التي صادق عليها المغرب. واعتبرت أن هذا التوجه لا ينسجم مع الدستور، ولا يخدم مسار الشفافية والحكامة الجيدة، بل يكرس مناخا من الشك ويحد من دور الرقابة المجتمعية.
الفساد الانتخابي… سوق مفتوحة ومؤسسات فاقدة للمصداقية
وفي محور آخر، تطرقت المنظمة إلى إشكالية الفساد الانتخابي، مؤكدة أن استعمال المال في الانتخابات ليس ظاهرة طارئة، لكنه بلغ مستويات مقلقة من حيث الحجم والتنظيم. وأوضحت أن الآليات المعتمدة في تدبير الاستحقاقات الانتخابية سمحت بظهور ما يشبه “سوقا انتخابية”، حيث يتحول التصويت إلى سلعة، وتُفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.
وأشارت إلى أن عددا من الانتخابات الوطنية والمحلية تشوبها اختلالات خطيرة، تؤثر بشكل مباشر على مصداقية المؤسسات المنتخبة، وعلى ثقة المواطنين في المسار الديمقراطي برمته. كما عبرت عن استغرابها من السماح لأشخاص متورطين في قضايا نهب المال العام بالترشح مجددا، معتبرة أن ذلك يبعث برسائل سلبية للمجتمع، ويشجع على التمادي في الفساد بدل ردعه.
وخلصت المنظمة إلى أن تتبع المؤشرات الدولية وتحليلها على مدى سنوات طويلة يقود إلى نتيجة واحدة واضحة، مفادها أن الرشوة في المغرب ذات طابع بنيوي ونسقي، وليست مجرد حالات معزولة. وأكدت أن أي تقدم حقيقي يظل رهينا بوجود ضغط اجتماعي وشعبي قوي، يقابله توفر إرادة سياسية صادقة لإطلاق إصلاح شامل يعالج جذور الفساد، ويعيد الاعتبار لقيم النزاهة والشفافية والمساءلة.










































