نبه تقرير من دخول المغرب واقع غذائي معقد، تتزايد فيه التبعية للواردات، خصوصا في المواد الأساسية مثل الحبوب والسكر والزيوت النباتية والذرة الموجهة للأعلاف.
و كشف تقرير حديث صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات، أن هذه التبعية ليست ظرفية، بل بنيوية ناتجة عن خيارات اقتصادية وسياسية ممتدة منذ عقود، جعلت الأمن الغذائي المغربي هشاً أمام التقلبات المناخية والاضطرابات الدولية.
و استند التقرير إلى معطيات رسمية من وزارة الاقتصاد والمالية ومكتب الصرف والمندوبية السامية للتخطيط، فضلاً عن تحقيقات ميدانية في منطقتي دكالة وعبدة، وهما من أهم الأقاليم الفلاحية بالمملكة. وتوضح البيانات أن المغرب لم يعد قادراً على تغطية سوى 28 في المائة من حاجياته من الحبوب وأقل من 20 في المائة من السكر، بينما تجاوزت فاتورة الواردات الغذائية 8.9 مليارات دولار سنوياً خلال السنوات الأخيرة.
ويشير التقرير إلى أن العجز المائي البنيوي يشكل جوهر معضلة السيادة الغذائية في بلد يصنف معظمه جافاً إلى شبه جاف، حيث تتلقى 85 في المائة من أراضيه أقل من 400 ملم من الأمطار سنوياً. وفي هذا السياق، يربط التقرير بين تقلبات الإنتاج الزراعي وندرة المياه، إذ تراجع إنتاج الحبوب من أكثر من 10 ملايين طن في المواسم المطيرة إلى أقل من 5 ملايين طن بين عامي 2019 و2025.
ويصف التقرير الوضع الحالي بـ”المفارقة الغذائية الخطيرة”، فبينما يشجع المغرب منذ عقدين تصدير الخضر والفواكه ذات القيمة العالية نحو أوروبا، فإنه يعتمد في المقابل على استيراد معظم مواده الغذائية الأساسية.
وتستهلك هذه الزراعات التصديرية كميات ضخمة من المياه في بلد يعاني عجزاً مائياً متزايداً، ما جعل الخبراء يتحدثون عن “تصدير الماء الافتراضي”، أي تصدير منتجات تعتمد في إنتاجها على موارد مائية نادرة محلياً.
في عام 2023 وحده، استورد المغرب حوالي 4.6 ملايين طن من القمح الطري و0.9 مليون طن من القمح الصلب و2.82 مليون طن من الذرة، بتكلفة تناهز ملياري يورو من العملة الصعبة.
و اشار التقرير إلى أن تبعية المغرب الغذائية تترتب عنها كلفة مالية وصحية ثقيلة. فمن الناحية المالية، بلغت نفقات دعم أسعار القمح والسكر عبر صندوق المقاصة سنة 2024 نحو 1.34 مليار درهم للقمح الطري و4.38 مليارات درهم للسكر.
أما صحياً، فقد أدى دعم الأغذية المكررة إلى انتشار الأمراض غير السارية، إذ يعاني أكثر من 60 في المائة من المغاربة من زيادة الوزن، ويبلغ معدل السمنة 21 في المائة. كما ارتفع استهلاك السكر للفرد من 35 إلى 48 كيلوغراماً سنوياً بين 2001 و2022، أي أربعة أضعاف الحد الموصى به من طرف منظمة الصحة العالمية.
ويصف المعهد هذا الوضع بأنه “الوجه الخفي للسياسات الغذائية الليبرالية”، حيث يتزامن الإفراط في استهلاك السعرات الفارغة مع نقص حاد في المغذيات الدقيقة مثل الحديد واليود وفيتامين “أ”.
و يشير التقرير إلى تحول جوهري في النظام الغذائي المغربي الذي فقد طابعه المتوسطي التقليدي المعتمد على الخضر والبقوليات وزيت الزيتون، ليُستبدل بنمط غذائي قائم على الخبز واللحوم البيضاء والأطعمة الجاهزة.
فقد تراجع استهلاك البقوليات من 10.7 إلى 3.6 كيلوغرامات سنوياً للفرد خلال أربعة عقود، رغم أهميتها في تحقيق الأمن الغذائي النباتي وتحسين خصوبة التربة.
كما أن القطاع الحيواني لم يسلم من الأزمة، إذ تراجعت القطعان بسبب الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف المستوردة، فيما أُجبر عدد من المناطق سنة 2025 على تعليق ذبائح عيد الأضحى بسبب ضعف القطيع. في المقابل، تضاعف إنتاج الدواجن من 70 ألف طن سنة 1980 إلى أكثر من 730 ألف طن سنة 2024، لكن ذلك تم على حساب الاعتماد الكبير على الأعلاف المستوردة.
و يربط التقرير ، أزمة الأمن الغذائي بالبنية الاقتصادية والسياسية، معتبراً أن تلاقي المصالح بين النخب الاقتصادية والسياسية أسهم في ترسيخ نموذج فلاحي يخدم المزارع الكبرى الموجهة للتصدير، في حين تُترك المزارع العائلية الصغيرة تواجه مصيرها بموارد محدودة.
فبينما تستحوذ الضيعات الكبرى على أغلب الدعم العمومي، لا تصل سوى نسبة ضئيلة من التمويلات إلى صغار الفلاحين، ما عمّق التفاوتات بين المناطق المسقية والمناطق البعلية وأضعف العدالة الترابية.
كما حذر التقرير من أن القطاع الفلاحي أصبح رهينة للمدخلات المستوردة، من الأسمدة والبذور المهجنة إلى الآليات والطاقة. فمثلاً بلغت واردات الآلات الفلاحية سنة 2023 حوالي 1.05 مليار درهم، رغم أن المغرب من كبار مصدري الفوسفاط في العالم.
و يحذر الخبراء من أن استمرار هذا النموذج التصديري سيؤدي إلى استنزاف حاد للموارد المائية، خصوصاً في مناطق الجنوب مثل سوس ماسة ووادي نون، التي تعرف انخفاضاً مقلقاً في منسوب المياه الجوفية.
فبينما يُروّج للمغرب كقوة فلاحية صاعدة، يصف التقرير الواقع بأنه “قوة قائمة على هشاشة مائية واعتمادية خارجية”، تنذر بتداعيات بيئية واقتصادية خطيرة.
و دعا المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى إعادة توجيه السياسات العمومية نحو تعزيز السيادة الغذائية، من خلال دعم الزراعة العائلية الصغيرة، وتشجيع الإنتاج المحلي للحبوب والبقوليات، وإطلاق برامج لتثمين النفايات الزراعية وتحويلها إلى أسمدة عضوية ضمن نموذج الاقتصاد الدائري.
كما أوصى التقرير بضرورة دمج التربية الغذائية والبيئية في المناهج الدراسية، وحماية الموارد الطبيعية، خاصة المياه وخصوبة التربة.
واعتبر الخبراء أن السيادة الغذائية ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية في ظل التغير المناخي والأزمات الجيوسياسية العالمية التي تهدد سلاسل الإمداد. فاستمرار الاعتماد على الأسواق الخارجية لتوفير الغذاء يشكل مخاطرة كبرى، خاصة في ظل اضطراب التجارة الدولية وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة.










































