تحل اليوم الذكرى السادسة والعشرون لاعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش المملكة المغربية، في لحظة استثنائية تعيد إلى الأذهان صيف عام 1999، حين بايع المغاربة ملكًا شابًا اختار الانفتاح، وربط استمرارية الدولة بورش الإصلاح والتحديث.
وبعد أزيد من ربع قرن، يقف المغرب في مفترق طرق بين ما تحقق على أرض الواقع من إنجازات هيكلية، وما يفرضه السياق الإقليمي والدولي من تحديات معقدة تتطلب حنكة سياسية واستباقًا استراتيجيًا.
دبلوماسية حاسمة في قضية الصحراء
من أبرز الملامح التي طبعت عهد محمد السادس، التحول الجذري في إدارة ملف الصحراء المغربية، حيث انتقل المغرب من استراتيجية دفاعية تقليدية إلى دبلوماسية هجومية تعتمد على المشروعية التاريخية والسيادة الواقعية.
وشكّلت مبادرة الحكم الذاتي، التي قدمتها الرباط للأمم المتحدة عام 2007، محورًا لهذه المقاربة الجديدة، وقد لقيت دعمًا دوليًا واسعًا، خاصة من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا والبرتغال.
كما مثّلت عملية تأمين معبر الكركرات سنة 2020 تحوّلًا ميدانيًا حاسمًا، أثبت صلابة الموقف المغربي أمام الأطروحات الانفصالية، وساهم في تغيير موازين النقاش داخل الهيئات الدولية.
أوراش اقتصادية كبرى.. ونموذج تنموي جديد
على المستوى الاقتصادي، عرف المغرب طفرة نوعية في قطاعات الصناعة، الطاقة، والنقل.
وتُعتبر مدينة طنجة نموذجًا بارزًا لهذا التحول، بفضل ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح من أكبر الموانئ في حوض المتوسط، واستقطب كبريات الشركات العالمية في مجالات السيارات والطيران.
كما برز المغرب في مجال الطاقات المتجددة من خلال مشاريع ضخمة كمحطة نور ورزازات، التي عززت موقع المملكة ضمن الدول الرائدة في الانتقال الطاقي.
ورغم هذه الإنجازات، لا تزال الفوارق الاجتماعية والمجالية تشكل تحديًا كبيرًا، ما دفع إلى إطلاق النموذج التنموي الجديد سنة 2021، الذي يسعى إلى تحقيق تنمية أكثر شمولًا وإنصافًا.
حقوق الإنسان والإصلاح الاجتماعي
في المجال الحقوقي، دشّن العهد الجديد سلسلة من الإصلاحات الكبرى، أبرزها هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أرست أسس مصالحة وطنية مع ماضي الانتهاكات الجسيمة.
كما شهد المغرب مراجعة جوهرية لمدونة الأسرة، ما ساهم في توسيع حقوق النساء وتعزيز المساواة داخل المؤسسة الأسرية.
لكن، وبالرغم من هذا التقدم، لا تزال الحقوق الفردية والحريات العامة تثير نقاشًا مستمرًا داخل الأوساط الحقوقية، التي تطالب بمزيد من التوسيع لهامش التعبير والانفتاح السياسي.
الرياضة كرافعة للدبلوماسية والتماسك الوطني
لم تغب الرياضة عن رؤية محمد السادس لبناء مجتمع حديث.
فمن خلال إحداث أكاديميات رياضية متخصصة، في مقدمتها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، نجح المغرب في إنتاج جيل جديد من اللاعبين الذين بصموا على إنجازات غير مسبوقة، كان أبرزها بلوغ نصف نهائي كأس العالم قطر 2022.
نظرة إلى الأمام
بعد 26 سنة، يملك المغرب رصيدًا سياسيًا واقتصاديًا وحقوقيًا مهمًا، لكنه يواجه أيضًا تحديات داخلية تتمثل في إصلاح التعليم، وتقليص الفوارق، وتثبيت الثقة بالمؤسسات، فضلًا عن تحديات خارجية مرتبطة بتقلبات المنطقة وتغير موازين القوى العالمية.
ويُجمع المراقبون على أن الرهان اليوم لم يعد فقط على الحفاظ على المكتسبات، بل على القدرة على التجديد، والانتقال من مرحلة الأوراش الكبرى إلى مرحلة العدالة الشاملة والكرامة الاجتماعية.










































