دعا هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، القضاة إلى تسريع وتيرة إنجاز الأبحاث القضائية المرتبطة بمكافحة الفساد، مؤكداً أن مهمة حماية المال العام تُعدّ من المهام الجسيمة التي تقع في صلب تحقيق العدالة وصون حقوق المجتمع.
وخلال كلمة ضمن الدورات التكوينية المتخصصة في الجرائم المالية التي أطلقتها رئاسة النيابة العامة بشراكة مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبحضور ممثلين عن الأمن الوطني والدرك الملكي، شدّد بلاوي على أن التكوين المستمر خيار استراتيجي لمواكبة التعقيدات المتزايدة التي تعرفها جرائم اختلاس وتبديد الأموال العمومية، وكذا الجرائم المرتبطة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأوضح رئيس النيابة العامة أن هذا البرنامج التكويني يأتي استجابة لتشخيص دقيق كشف عن حاجة ملحّة لتعزيز قدرات القضاة وضباط الشرطة القضائية في مواجهة الجرائم المالية، لاسيما من خلال التعمق في الجوانب التقنية المرتبطة بتعقب الأموال وتتبع العمليات المشبوهة. وأشار إلى أن آخر تكوين متخصص في هذا المجال يعود إلى سنة 2020، ما يجعل من الضروري تجديد المعارف القانونية والعلمية، خصوصاً في ظل التنقلات المهنية التي يعرفها القضاة والضباط.
وأكد بلاوي أن الجرائم المالية ليست مجرد أفعال تمس المال العام، بل تتجاوزها لتقويض أسس التنمية الاقتصادية وتقليص ثقة المواطنين في المؤسسات العمومية، مبرزاً أن حماية المال العام تتطلب اتخاذ مجموعة من التدابير التشريعية والقضائية الرامية إلى تخليق الحياة العامة وترسيخ قيم النزاهة والشفافية.
وأضاف أن مكافحة الفساد المالي تستوجب فهماً معمقاً للأنظمة المالية والمحاسبية، وقدرة على تحليل البيانات المعقدة، وإتقان تقنيات التتبع الرقمي لكشف المتورطين في الجرائم الاقتصادية، داعياً قضاة النيابة العامة إلى مضاعفة الجهود في هذا المجال بما ينسجم مع أولويات السياسة الجنائية للدولة. كما حثّهم على تسريع وتيرة إنجاز الأبحاث القضائية وتفعيل الإجراءات الخاصة بالتحقيق، مع الالتماس بعقوبات تحقق الردع العام والخاص في قضايا الفساد.
وفي الوقت الذي أكّد فيه رئيس النيابة العامة على ضرورة تعبئة كل الطاقات لمواجهة الفساد المالي، خرج محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، بتصريحات قوية حذر فيها من ما سماه “المافيات ولوبيات الفساد” التي تعمل، حسب قوله، على بناء “دولة داخل الدولة” لحماية مصالحها وتحصين نفسها من أي محاسبة أو رقابة.
وقال الغلوسي في تدوينة له إن هذه اللوبيات “نجحت في تقييد النيابة العامة عبر تعديلات على قانون المسطرة الجنائية، وحاولت قتل استقلالية الصحافة من خلال قوانين نكوصية”، مشيراً إلى أن الهدف من هذه التحركات هو تعطيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي نص عليه الدستور المغربي. وأضاف أن “المادتين 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية جُعلتا أداة لتقييد سلطة النيابة العامة في تحريك الأبحاث القضائية ضد المتورطين في قضايا الفساد ونهب المال العام”.
وأشار الغلوسي إلى أن هذه الجهات نفسها انتقلت بعد ذلك إلى مجال الإعلام، حيث “استعملت التمويل العمومي كوسيلة للضبط”، على حد تعبيره، من خلال “الإبقاء على صحافة تكتب تحت الطلب وتعمل في ظل رقابة السلطة”، متهماً إياها بمحاولة “تشديد الخناق على الأصوات المعارضة والمناهضة للفساد والإثراء غير المشروع”.
وتابع الغلوسي قائلاً: “لقد تغوّلت هذه اللوبيات إلى حدّ أنها لم تعد تكتفي بتقييد حرية الصحافة أو النيابة العامة، بل تسعى اليوم إلى نقل روح القمع إلى القوانين التنظيمية، كما هو الحال في المادة 51 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، التي اعتبرها وسيلة جديدة لتحصين المفسدين من أي تشكيك في نزاهة الانتخابات أو مساءلة سياسية”.
كما انتقد الغلوسي ما وصفه بـ”استعمال بعض فصول القانون الجنائي مثل الفصل 2-447″ لتضييق الخناق على النشطاء الحقوقيين والصحافيين، معتبراً أن “الهدف الحقيقي من هذه الترسانة القانونية ليس حماية الأفراد من التشهير، بل إسكات كل من يرفع صوته ضد الفساد والاستبداد”.
وختم الغلوسي تدوينته بتحذير شديد اللهجة قائلاً: “إنهم يسيرون نحو تعميق الفساد وقتل السياسة وتكميم الأفواه، لأنهم يكرهون الحرية ويمقتون كل من يطالب بها أو يحلم بها. يريدون دولة لأنفسهم وحدهم، يعتبرون المال العام مالهم الخاص، أما نحن فمجرد جمهور يُطلب منه التصفيق وشكرهم لأنهم لم يقطعوا عنا الأوكسجين”.
وبين دعوة رئيس النيابة العامة إلى تسريع الأبحاث القضائية في قضايا الفساد، وتحذير الغلوسي من تمدد لوبيات المال والنفوذ، يبدو أن المعركة ضد الفساد في المغرب تدخل مرحلة أكثر حساسية، تستدعي، كما يؤكد المراقبون، انسجاماً أكبر بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، لتجسيد فعلي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان استقلال العدالة كصمام أمان لبناء دولة الحق والقانون.










































