يتواصل الجدل داخل الأوساط الإعلامية المغربية حول مستقبل المجلس الوطني للصحافة الذي تجاوز ولايته القانونية، بعد تسريب لقطات مصوّرة من اجتماع للجنة الأخلاقيات التابعة للجنة المؤقتة المكلّفة بتسيير شؤون القطاع. التسريب الذي انتشر على نطاق واسع أثار موجة استياء في الأوساط السياسية والحقوقية والمهنية، وفتح الباب أمام نقاش جديد حول شرعية المجلس وضرورة إعادة هيكلة المنظومة برمتها.
وأحيا التسريب مطالب حلّ المجلس، وهي مطالب تبناها أكثر من 230 صحافياً عبر عريضة موقّعة، قبل أن تتجسد في وقفة احتجاجية نُظمت أمام مقر وزارة الشباب والثقافة والتواصل. ويرى عدد من الفاعلين في المجال أنّ الرغبة المتزايدة في إنهاء ولاية المجلس ليست خطوة “عدمية”، بل تعبير عن حاجة إلى تجديد الهياكل المهنية وفق قواعد ديمقراطية تضمن تمثيل الجسم الصحافي بعيداً عن أي تأثير سياسي أو إداري.
ويذهب عدد من الإعلاميين إلى أن الأزمة الحالية لم تكن وليدة اللحظة، بل حصيلة مسار اتسم —بحسبهم— باختلالات بنيوية منذ تأسيس المجلس، أبرزها عملية التمديد خارج المساطر القانونية، وتراجع الثقة في مؤسسات التنظيم الذاتي، وظهور ما يعتبره البعض “ترهلاً” أصاب أداء المجلس وأضعف قدرته على لعب دور الوسيط المهني النزيه.
وفي خضم هذا الجدل، يؤكد صحافيون أن الدعوة إلى حل المجلس لا تعني العودة إلى الوصاية الحكومية، بل إطلاق نقاش جديد حول بناء مؤسسة تنظيمية أكثر استقلالية، تعتمد في تشكيلها على صناديق الاقتراع وتستمد شرعيتها من القاعدة المهنية نفسها، أسوة بالتجارب المعمول بها في عدد من الدول الأوروبية التي تُسند فيها البطاقات المهنية والنظم التأديبية إلى هيئات نقابية أو مستقلة، بعيداً عن القرار السياسي.
احتجاجات أمام الوزارة
وعلى وقع هذا التوتر، شهدت الرباط مساء 28 نوفمبر 2025 وقفة احتجاجية صامتة شارك فيها عشرات الصحافيين. وقد وضع المحتجون أشرطة حمراء على أفواههم للدلالة على ما يعتبرونه تضييقاً متزايداً على حرية العمل الإعلامي، ورفعوا لافتات تطالب بـ”حلّ المجلس الآن” و”صحافة مستقلة بلا وصاية”.
وسجلت الوقفة حضوراً لافتاً لهيئات مهنية، من بينها الفيدرالية المغربية لناشري الصحف والنقابة الوطنية للصحافة المغربية، إلى جانب ممثلين عن عدد من هيئات المحامين. وجاءت هذه التعبئة المهنية عقب انتشار تسجيل مصور من جلسة تأديبية، ظهر خلالها أعضاء في لجنة الأخلاقيات وهم يتلفظون بعبارات اعتبرها الصحافيون بعيدة عن مقتضيات الحياد والموضوعية، بما يعكس —من وجهة نظرهم— حالة “خروج عن السلوك المهني” داخل جهاز يفترض به حماية معايير المهنة وليس التأثير في مسارات قضائية أو تأديبية.
دعوات لإصلاح شامل
وفي بيانها الختامي، طالبت لجنة “بيان من أجل حل المجلس الوطني للصحافة” بإنهاء ما وصفته بـ”الوضع الشاذ” عبر حلّ المجلس فوراً، ووقف محاولات تجديد ولاية منتهية أو تنصيب هيئات “بلا شرعية”. كما دعت إلى إطلاق مسار إصلاحي ديمقراطي يعتمد على التشاور المباشر مع الصحافيين، لا مع هيئات “مُعيَّنة” أو “مُفوَّضة” بقرارات إدارية.
ويشدد المحتجون على ضرورة وضع حدّ لأي تدخل للسلطة التنفيذية في تنظيم المهنة، وضمان استقلالية المؤسسة التي تتولى الإشراف على القطاع، مع حماية حرية الصحافة من الضغوط والمساطر التي قد تُستخدم —بحسبهم— لإخضاع المهنيين أو الحدّ من استقلالهم.
كما دعا البيان إلى سحب مشروع القانون 26.25 الذي يرى الصحافيون أنه يعمّق من أزمة الشرعية، ويكرّس مزيداً من التحكم في مؤسسة يُفترض أن يكون لها دور تنظيمي مستقل.
وبينما يستمر النقاش محتدماً داخل الوسط الإعلامي والسياسي، بات واضحاً أن الأزمة تجاوزت حدود الخلاف الإداري لتتحول إلى معركة حول النموذج التنظيمي للصحافة في المغرب، بين من يتمسك بالمجلس الحالي ومن يرى أن الوقت قد حان لإعادة تأسيس بنية مهنية أكثر شفافية وديمقراطية وتمثيلاً للواقع الصحافي









































