في ظلّ رفض أوروبا والولايات المتحدة لانضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، وكذلك لحلف الناتو، قد يكون المسار الطبيعي لأوكرانيا عندما تنتهي الحرب هو أن تستعيد علاقة طبيعية ما مع روسيا.
تيد شنايدر
نشر هذا المقال بالإنجليزية في مجلّة ذا أميريكان كونزيرفاتيف في 23 أيلول 2026.
يومًا ما، ستنتهي الحرب في أوكرانيا. وعندما يحل ذلك اليوم قد تجد أوكرانيا نفسها تتحول من بلد يتنازع عليه الجميع إلى بلدٍ لا يريد أحد أن يتحمل عبئه. لقد وقعت أوكرانيا في صراع شد وجذب بين طرفين يتنازعان عليها: الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون والكنديون من الغرب، وروسيا من الشرق. لكن بعد الحرب، قد تجد البلاد نفسها وحيدة، وقد تخلّى عنها الغرب، وبذكريات مريرة ومشاعر عدائية تجاه الشرق.
توصل القوميون الأوكرانيون، في عام 2014، إلى استنتاج مفاده أنه لم يعد من الممكن الوثوق بالانتخابات لتحقيق رؤيتهم الأحادية لأوكرانيا، والتي كان لا بد فيها من محو لغة وثقافة ودين المواطنين من أصل روسي في البلاد. ولذلك، ولأول مرة في تاريخ أوكرانيا، ألغوا نتائج الانتخابات بانقلاب، وكان الهدف هو إنهاء سياسة أوكرانيا الخارجية متعددة المحاور التي كانت توازن العلاقات مع أوروبا وروسيا.
بالنسبة لهم، كان التوجه نحو الغرب يعني التعاون الاقتصادي مع أوروبا والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد ترافق هذا الهدف السياسي والاقتصادي مع الهدف الأمني المتمثل في الانضمام إلى حلف الناتو. وقد وُعدت أوكرانيا بالانضمام إلى المنظمتين، وشجع الغربُ أوكرانيا على مواصلة القتال ضد روسيا بعد غزوها عام 2022، بدلًا من التفاوض على السلام، دفاعًا عن حقها في السعي للحصول على هاتين العضويتين. وقد أوضحت وزارة الخارجية الأمريكية في بداية الغزو قائلة إن الحرب: «أكبر من روسيا، وأكبر من أوكرانيا»، وإنها تتعلق بـ«المبادئ الأساسية»، وتحديدًا المبدأ القائل بأن لكل دولة على حدة الحق السيادي في تحديد سياستها الخارجية، ولها الحق السيادي في أن تقرر بنفسها مع من تتحالف، وإلى أين توجّه أنظارها.
ووراء تلك الوعود دُمرت حياة مئات الآلاف من الأوكرانيين. وعندما تنتهي الحرب سيتعين على الأوكرانيين إعادة بناء حياتهم وإعادة بناء بلدهم. لكن الاحتمالات تشير إلى أن بلدهم لن يكون عضوًا في الاتحاد الأوروبي ولا في حلف الناتو. وإذا اتجهت أوكرانيا نحو الغرب فستجد نفسها مهجورة ووحيدة.
لقد تخلت روسيا منذ فترة طويلة عن اعتراضها على انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك لم يتم تمهيد الطريق حقًّا، لأن الاتحاد الأوروبي رفض التخلي عن اعتراضاته الخاصة. ورغم أن معظم القادة الأوروبيين يقولون إنهم «يدعمون بقوة» انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي، فإن العديد من المشكلات، بما في ذلك الفساد الأوكراني والعجز الديمقراطي في البلاد، تشكّل عقبات أمام العضوية.
تبددت أحلام تسريع انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وأعيدت صياغة مطالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالانضمام للاتحاد عام 2027، نحو تاريخ أكثر واقعية هو العام 2035. ولم تؤدِ التسويات المقترحة مثل «العضوية المخففة» أو «التوسع العكسي» إلى أي نتيجة. فقدعرقلتها فرنسا وألمانيا، ولم تحظَ هذه الخطط أبدًا بدعم غالبية الدول الأعضاء.
تستمر العلاقات بين أوكرانيا وبولندا في التدهور بسبب إصرار أوكرانيا على تكريم عناصرها القومية المتطرفة، التي يعود أصلها إلى الجماعات التي شاركت في الإبادة الجماعية للبولنديين خلال الحرب العالمية الثانية. أما المجر، فحتى بعد الإطاحة برئيس وزرائها الشعبوي فيكتور أوربان، فلا تزال تعرقل انضمام أوكرانيا بسبب معاملتها للأقليات المجرية.
أمّا الوعود بالانضمام إلى حلف الناتو فقد تحطمت بشكل أكبر. لقد وُعِدت أوكرانيا بـ«مسارات لا رجعة فيها» وجُسور، لكن السير في تلك المسارات مُنع، ولم تُبنَ الجسر قط. وقد رفض الرئيسان جو بايدن ودونالد ترامب انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو. قال بايدن إن «أوكرانيا ليست مستعدة لعضوية حلف الناتو»، فيما قال ترامب إنه «لن يكون هناك انضمام لأوكرانيا إلى حلف الناتو».
وقد قال أصدقاء أوكرانيا الأوروبيون الشيء نفسه. فقد قال المستشار الألماني -السابق- أولاف شولتز إن مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو «ليست حتى على جدول الأعمال». وتنص النقطة السابعة من خطة ترامب للسلام المكونة من 28 نقطة على أن أوكرانيا «توافق في دستورها على عدم الانضام إلى حلف الناتو، ويوافق حلف الناتو على إدراج بند في نظامه الأساسي ينص على عدم قبول عضوية أوكرانيا مستقبلًا».
ساهموا في استمرارية عملنا الصحفي انضموا لبرنامج نقطة حبر
وقد قال زيلينسكي منذ فترة طويلة إنه يجب الاعتراف بأن أوكرانيا «لا يمكنها دخول» باب حلف الناتو «الذي المفترض أنه مفتوح»، وأنه على الرغم من أن «الأبواب تظل مفتوحة علنًا»، إلا أن أوكرانيا في الواقع «لن تصبح عضوًا في حلف الناتو».
عند انتهاء الحرب، ستُترك أوكرانيا لتواجه غربًا أكثر ترددًا في تمويل إعادة إعمارها الاقتصادي، رافضًا توجيه دعوة لها للانضمام إلى اتحاداته السياسية والأمنية. وقد تلجأ أوكرانيا عندئذٍ إلى خيار غير متوقع: روسيا.
لن يكون الأمر سهلًا أو سلسًا، لكن كما يقول جيفري روبرتس، الأستاذ الفخري للتاريخ في جامعة كورك، فإنه بعد الحرب، أشار مؤخرًا إلى أن أفضل صديق ستحظى به أوكرانيا بعد الحرب هو روسيا والشعب الروسي. وهنا يكمن مستقبل أوكرانيا في نهاية المطاف، أي في إعادة بناء علاقتها مع روسيا. ورغم الصعوبة البالغة، فإن هذا يمثل المسار الوحيد القابل للتطبيق على المدى الطويل للشعب الأوكراني.
وقد واصلت روسيا تصوير الشعب الأوكراني على أنه أمة شقيقة وليس شعبًا يجب تدميره. والاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني تبرير الغزو الروسي ولا الدمار الذي تسبب فيه، بل الإشارة إلى أن هدف روسيا ربما كان منع استخدام أوكرانيا كنقطة انطلاق عسكرية على حدودها، وأنها لتحقيق ذلك ركزت على القوات المسلحة الأوكرانية وليس على الشعب الأوكراني.
يروي نيكولاي بيترو، أستاذ العلوم السياسية بجامعة رود آيلاند، قصة غير متوقعة مفادها أنه خلال المفاوضات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا، «ووسط دهشة الأوروبيين الحاضرين»، بدأ المندوبون الروس والأوكرانيون «في تبادل النكات والتفاهم، لأنهم في جوهر الأمر كانوا يفهمون بعضهم بشكل أفضل بكثير مما كان أي منهما يفهم الأوروبيين».
أيُّ تحول نحو الشرق سيستغرق وقتًا. لكن مستقبل أوكرانيا الطبيعي قد يكمن في إصلاح العلاقات مع روسيا. وقد يكون ذلك ضروريًا بسبب أبواب الغرب المغلقة، وقد يسهله وجود لغة مشتركة وروابط عائلية، فضلًا عن القواسم المشتركة مع روسيا في الدين والثقافة والتاريخ.
هناك عاملان قد يحددان ما إذا كانت هذه العلاقة المعاد بناؤها ممكنة. الأول هو مسار الحرب، فمن غير المرجح أن تعيد أوكرانيا وروسيا إصلاح علاقاتهما إذا «استمرت الحرب حتى النهاية، مما يؤدي إلى انهيار المجتمع الأوكراني وكذلك الجيش، بما في ذلك وقوع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين»، كما يقول روبرتس. لكن العلاقات بين البلدين قد تتعافى إذا «أنقذت تسوية تفاوضية كيان أوكرانيا كدولة، وضمنت أمنها المستقبلي، ودعمت إعادة إعمارها بعد الحرب». ويمكن تسريع هذا التعافي إذا أصبحت روسيا شريكًا رئيسيًّا في إعادة الإعمار، وإذا أُدرجت العلاقات التجارية المستقبلية في التسوية.
أمّا العامل الثاني فهو من سيقود أوكرانيا بعد الحرب؟ بعد أن غذى زيلينسكي آمال الشعب الأوكراني طوال الحرب بوعود متطرفة باستعادة كامل أراضيها والحصول على عضوية حلف الناتو، فقد يجد صعوبة في التوقيع على اتفاق سلام لا يحقق هذه الأهداف، فضلًا عن أن يتيح إمكانية علاقات أكثر دفئًا مع روسيا في المستقبل.
لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن زيلينسكي قد لا يكون الرئيس بعد أن تجري أوكرانيا انتخابات رئاسية. وقد يكون منافساه الرئيسيان، فاليري زالوجني وكيريلو بودانوف، أكثر استعدادًا للتفاوض بشأن مثل هذا السلام. فقد صرح بودانوف مؤخرًا بأنه «مستعد لأي خطوة من شأنها إنهاء الحرب»، وقد حافظ أثناء توليه منصبه كمدير لمكتب زيلينسكي على الحوار مع إيغور كوستيوكوف، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU).
عند انتهاء الحرب، ستحتاج أوكرانيا المدمرة إلى جهة تلجأ إليها. ومع إغلاق الباب باب الغرب الذي طال انتظاره، قد تكون العلاقة الطبيعية مع روسيا، رغم تآكلها الشديد، هي الاتجاه الوحيد القابل للتطبيق.
عن حبر








