يتواصل الجدل حول الارتفاع المتصاعد لأسعار اللحوم الحمراء في الأسواق المغربية، رغم سلسلة التدابير التي أعلنت عنها الحكومة، وفي مقدمتها تمديد الإعفاءات الضريبية والجمركية على استيراد رؤوس الماشية واللحوم المجمدة ضمن قانون مالية 2026. غير أن الأسعار، التي ظلت تفوق عتبة 100 درهم للكيلوغرام في عدد من المدن، أعادت الملف إلى واجهة النقاش العمومي، لتتحول الأزمة من همّ يومي للأسر إلى موضوع مساءلة سياسية تحت قبة البرلمان.
ومع استمرار الغلاء، تتصاعد أصوات تطالب بتوضيحات حول مآل هذه الإعفاءات التي تكلف خزينة الدولة ملايير الدراهم، دون أن يلمس المواطن أثرا مباشرا لها على مستوى الأسعار. فالحكومة بررت هذه الإجراءات بضرورة ضمان تموين السوق الوطنية ودعم استقرارها، في ظل تداعيات سنوات الجفاف المتتالية وتراجع القطيع الوطني، غير أن الواقع الميداني يعكس استمرار الضغط على القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، انتقل الملف إلى مجلس المستشارين عبر سؤال كتابي وجهه المستشار البرلماني خالد السطي إلى وزيرة الاقتصاد والمالية، مطالبا بتقييم دقيق لمدى نجاعة هذه الإعفاءات، والكشف عما إذا كانت قد ساهمت فعليا في خفض الأسعار أو الحد من المضاربة والاحتكار. وأثار المستشار، المنتمي إلى الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، مسألة غياب الانعكاس المباشر لهذه الامتيازات الجبائية على أسعار البيع للعموم، معتبرا أن استمرار الغلاء يطرح تساؤلات حقيقية حول فعالية السياسة المعتمدة.
الجدل تعزز أيضا بتقارير سابقة لـ المجلس الأعلى للحسابات، الذي دعا في تقريره الأخير إلى تقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي لمختلف الإعفاءات الضريبية، والبت في جدوى استمرارها أو مراجعتها أو إلغائها حسب النتائج المحققة. كما انتقد المجلس عدم التقيد بالمقتضيات القانونية التي تفرض إجراء تقييم دوري لهذه الإعفاءات، خاصة بالنظر إلى كلفتها الباهظة على المالية العمومية.
وسط هذا السجال، يزداد شعور المستهلكين بأن الإجراءات المعلنة لم تنجح في كبح جماح الأسعار أو ضبط اختلالات السوق، خصوصا في ظل اتهامات بوجود مضاربات واحتكار من قبل بعض الوسطاء، الذين يطلق عليهم في التداول الشعبي وصف “الشناقة”. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن اللحوم ذات الأصل المستورد، التي يفترض أن تستفيد من الإعفاءات، تباع في كثير من الأحيان بأسعار مماثلة للحوم المحلية، دون تمييز واضح في المصدر أو السعر، ما يحرم المستهلك من الاستفادة المفترضة من الامتيازات الجبائية.
ويزيد من حدة الانتقادات ما صرح به وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، حين أقر بأن أسعار اللحوم لن تعود إلى مستويات 70 و75 درهما التي كانت سائدة في سنوات سابقة، وهو ما اعتبره كثيرون إقرارا ضمنيا بصعوبة استعادة التوازن السعري في المدى القريب. هذا التصريح غذى الشعور بأن السوق تسير في اتجاه تصاعدي دون أفق واضح للانفراج، في ظل غياب إجراءات رقابية صارمة تحد من المضاربة.
وتنص مقتضيات قانون مالية 2026 على تجديد الإعفاءات المطبقة على استيراد الحيوانات الحية من فصيلتي الأبقار والأغنام في حدود 300 ألف رأس و10 آلاف رأس على التوالي، إلى غاية نهاية السنة الجارية، إضافة إلى إعفاءات تخص استيراد اللحوم المجمدة. غير أن استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة يطرح تساؤلات حول مدى انتقال أثر هذه الامتيازات إلى المستهلك النهائي، وحول فعالية آليات المراقبة المعتمدة لضمان الشفافية داخل سلاسل التوزيع.
ويطالب متتبعون بضرورة الكشف عن معطيات دقيقة تتعلق بكلفة هذه الإعفاءات على الميزانية العامة، وحجم الانخفاض المفترض في أسعار الاستيراد، والفارق بين سعر الدخول إلى السوق وسعر البيع بالتقسيط. كما يدعون إلى تشديد الرقابة على الوسطاء ومسالك التوزيع، لضمان عدم تسرب الدعم غير المباشر إلى حلقات لا تعكس أثره على الأسعار النهائية.
في ظل هذا الوضع، تبدو الحكومة مطالبة بتقديم إجابات واضحة للرأي العام والبرلمان بشأن حصيلة سياستها في هذا الملف، خاصة وأن ارتفاع أسعار اللحوم لا يمس فقط سلعة استهلاكية عادية، بل يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي وبالقدرة الشرائية لشريحة واسعة من المغاربة. وبين مطالب التقييم والمراجعة، واستمرار لهيب الأسعار في الأسواق، يظل السؤال قائما حول مدى قدرة السلطة التنفيذية على ضبط السوق ومواجهة المضاربة، أو ما إذا كانت الأزمة ستتفاقم أكثر في ظل صمت حكومي يعتبره منتقدون دليلا على تعثر أدوات التدخل والرقابة.










































