دخلت إيران مرحلة جديدة من الجدل حول واحدة من أبرز أوراق قوتها الجيوسياسية، بعدما بدأت التحولات التي تعرفها حركة الملاحة في مضيق هرمز تطرح سؤالاً واضحاً داخل طهران: هل ما يزال المضيق ورقة ضغط فعالة، أم أن استمرار التلويح بإغلاقه يدفع دول الخليج إلى التخلص تدريجياً من الاعتماد عليه؟
ويحظى مضيق هرمز بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، باعتباره ممراً رئيسياً لصادرات الطاقة من منطقة الخليج نحو الأسواق العالمية. وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية مرت عبره خلال سنة 2025، أي ما يقارب ربع التجارة البحرية العالمية للنفط.
غير أن الحرب والتوتر المتصاعد خلال الأشهر الماضية دفعا دول الخليج إلى تسريع البحث عن بدائل، سواء عبر خطوط الأنابيب أو من خلال ترتيبات بحرية جديدة تسمح بنقل جزء من الشحنات بعيداً عن نقاط الخطر.
طهران أمام معادلة صعبة
وتكمن المفارقة بالنسبة إلى إيران في أن المضيق، الذي يمثل ورقة ضغط على خصومها، يشكل في الوقت نفسه منفذاً مهماً لصادراتها ومصالحها الاقتصادية.
وتحذر أصوات داخل إيران من أن الإفراط في استخدام ورقة التهديد بإغلاق المضيق قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في دفع الدول المستفيدة من الممر إلى الاستثمار أكثر في مسارات بديلة.
وبحسب معطيات حديثة لشركة «كبلر»، فإن حركة النفط عبر المضيق خلال فترة الأزمة بقيت بعيدة عن مستويات ما قبل الحرب. وتشير الشركة إلى أن تدفقات النفط الخام والمكثفات خلال فترة مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية لم تتجاوز في المتوسط نحو 6.1 ملايين برميل يومياً، مقابل قرابة 15 مليون برميل يومياً في 2025.
وهذا الانخفاض لا يعكس فقط تأثير المواجهة، وإنما يكشف أيضاً عن تغير في سلوك شركات النقل والطاقة التي باتت أكثر حذراً في التعامل مع المضيق.
البدائل الخليجية تقلص هامش المناورة
وتملك السعودية والإمارات، على وجه الخصوص، قدرة على تحويل جزء من صادراتهما النفطية بعيداً عن هرمز عبر شبكات أنابيب تصل إلى البحر الأحمر أو إلى ميناء الفجيرة الإماراتي.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية الطاقة المتاحة حالياً لهذه المسارات البديلة بما بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً، وإن كانت هذه القدرات لا تزال محدودة مقارنة بحجم التدفقات المعتادة عبر المضيق.
لكن الرهان الخليجي لا يقوم فقط على حجم هذه البدائل في الوقت الراهن، بل على تطويرها مستقبلاً، بما قد يجعل أي محاولة لإغلاق هرمز أقل تأثيراً مما كانت عليه في السابق.
وهنا تحديداً تظهر المخاوف الإيرانية، لأن كل أزمة جديدة قد تمنح خصوم طهران حافزاً إضافياً لتقليص اعتمادهم على الممر المائي.
ضغوط اقتصادية داخل إيران
ويأتي هذا النقاش في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، بالتزامن مع العقوبات الأميركية وتراجع صادرات النفط والاضطرابات التي خلفتها الحرب.
وفي هذا السياق، برزت خلال الأيام الماضية تصريحات لمسؤولين إيرانيين تدعو إلى إنهاء الحرب وتفادي المزيد من الاستنزاف الاقتصادي.
ويحذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان استمرار الدولة، بينما يرى الرئيس مسعود بزشكيان أن إنهاء الحرب يصبح أكثر فائدة لطهران إذا تم في وقت ما تزال فيه قادرة على التفاوض من موقع قوة.
وتكشف هذه التصريحات عن حجم الضغوط التي باتت تواجه القيادة الإيرانية، خصوصاً أن استمرار الحرب لا يرفع فقط كلفة المواجهة العسكرية، وإنما يهدد أيضاً مصادر الدخل وقدرة الاقتصاد على الصمود.
«مفارقة هرمز»
ويرى محللون أن إيران تواجه ما يمكن وصفه بـ«مفارقة هرمز»: فكلما استخدمت طهران المضيق كأداة للضغط، زادت رغبة الآخرين في إيجاد طرق لتجاوزه.
وتبرز هذه المفارقة في حركة السفن نفسها، إذ أصبحت شركات الشحن أكثر اعتماداً على إجراءات احترازية، بينما اتجه جزء من تجارة الطاقة إلى ترتيبات بديلة في خليج عمان.
وتظهر بيانات حديثة أن حركة السفن عبر المضيق لا تزال منخفضة مقارنة بالمعدلات المعتادة، إذ سجلت البيانات الأولية لشركة «كبلر» في 25 أغسطس مرور خمس سفن تجارية فقط، مقابل متوسط يومي بلغ 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
كما أن بعض السفن باتت تعمد إلى إيقاف أجهزة التتبع أثناء عبورها، ما يجعل تحديد الحجم الحقيقي لحركة الملاحة أكثر صعوبة.
ورقة لم تسقط.. لكنها لم تعد كما كانت
ورغم كل هذه التحولات، سيكون من السابق لأوانه القول إن مضيق هرمز فقد أهميته الاستراتيجية.
فالممر لا يزال من أهم نقاط عبور الطاقة في العالم، كما أن البدائل الحالية لا تستطيع تعويض كامل التدفقات التي تمر عبره. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن جزءاً كبيراً من صادرات النفط والغاز الخليجية ما يزال مرتبطاً بالمضيق، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه مؤثراً بشكل مباشر في الأسواق العالمية.
لكن الجديد هو أن المعادلة لم تعد كما كانت قبل الحرب. فقد بدأت شركات الطاقة والدول المستوردة في التعامل مع هرمز باعتباره مصدر خطر ينبغي تقليص الاعتماد عليه، وليس مجرد ممر تجاري لا بديل عنه.
وبالنسبة إلى إيران، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في قدرتها على تعطيل حركة الملاحة، وإنما في كيفية الحفاظ على قيمة المضيق كورقة تفاوضية من دون دفع خصومها إلى بناء نظام بديل يفقد طهران جزءاً من نفوذها.
وهكذا، قد تتحول القوة التي لطالما اعتبرتها إيران ورقة استراتيجية إلى سلاح ذي حدين: استخدامها يمنح طهران نفوذاً سريعاً، لكن الإفراط فيه قد يسرّع، في المقابل، عملية البحث عن بدائل تجعل هذا النفوذ أقل تأثيراً في المستقبل.








































