اتهمت الجمعية المغربية لحماية المال العام الحكومة بتغذية الفساد بدل محاربته، محذّرة مما وصفته بـ”الانتشار المقلق والمتسارع لظاهرة باتت نسقية وبنيوية في مفاصل الدولة ومؤسساتها”، وأكدت الجمعية أن الفساد لم يعد مجرد حالات معزولة أو تجاوزات فردية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تخترق قطاعات واسعة من الحياة العامة، وتضرب في العمق قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. وفي بيان قوي اللهجة لمكتبها التنفيذي، قالت الجمعية إن المغرب يقف اليوم أمام “مفترق خطير” بسبب تضخم مظاهر الريع ونهب المال العام والإفلات من العقاب، وهو ما يقود، حسب تعبيرها، إلى تعميق الفقر والهشاشة وتوسيع الهوة بين الفئات الاجتماعية والجهات، ويهدد أي مشروع تنموي جدي أو انتقال ديمقراطي حقيقي.
وسجلت الجمعية تضامنها المطلق مع رئيسها محمد الغلوسي، الذي اعتبرته يتعرض لحملات تشويه ومضايقات وشكايات كيدية بسبب نشاطه في فضح الفساد، مؤكدة أن استهداف الغلوسي هو استهداف مباشر لصوت مزعج لمراكز النفوذ ولوبيات المصالح التي تريد تكميم الأفواه وإسكات كل الأصوات الحرة. وأضاف البيان أن هذه الحملات لن تُخيف الجمعية ولن تدفعها للتراجع، بل ستزيد من عزيمة مناضليها على مواصلة كشف ملفات نهب المال العام وتعرية المستور، ومطالبة السلطة القضائية بمحاكمة المتورطين مهما كانت مواقعهم.
وتوقفت الجمعية عند ما سمّته الوضع القضائي المقلق لملفات الفساد، مشيرة إلى أن “تعطيل العدالة” بات وسيلة إضافية لحماية المفسدين. وأورد البيان أمثلة على ذلك، بينها طول أمد الأبحاث التمهيدية، وتعثر المساطر والإجراءات، وصدور أحكام قضائية “مخففة أو ميالة للتساهل”، وهو ما تعتبره الجمعية ضرباً لمصداقية القضاء وتكريساً لثقافة اللامحاسبة. وشددت على أن العدالة هي المدخل الحقيقي لتخليق الحياة العامة، وأن أي تساهل أو تردد في ملاحقة الجرائم المالية يفتح الباب واسعاً أمام توغل الفساد وتحوله إلى قاعدة لا استثناء.
وانتقدت حماة المال العام الحكومة بشكل مباشر، واتهمتها بصياغة قوانين تُستعمل كدرع لحماية المتورطين في الجرائم المالية بدل تعزيز منظومة تخليق الحياة العامة. وخصّت بالذكر المادتين 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية، معتبرة أن اعتماد مثل هذه النصوص التشريعية يعكس “إرادة سياسية غائبة أو مضادة” لمحاربة الفساد. كما اتهمت الحكومة بتجاهل إصدار قوانين أساسية كانت المطالبة بها مستمرة على مدى سنوات، وعلى رأسها تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وتعديل قانون التصريح بالممتلكات بما يجعله فعالاً وملزماً وشفافاً.
وأكد البيان أن الفساد يكلف المغرب كثيراً على مستويات متعددة: اقتصادياً عبر استنزاف ثروات البلاد وتبديد المال العام، واجتماعياً من خلال إنتاج الفقر والبطالة والتهميش، وسياسياً عبر ضرب الثقة في المؤسسات وإضعاف شرعية الدولة. وذكرت الجمعية أن النجاح في أي إصلاح أو نموذج تنموي جديد يمر عبر القطع مع الإفلات من العقاب وربط المسؤولية بالمحاسبة وتفعيل مبدأ الحكامة الجيدة، معتبرة أن الخطابات الرسمية حول مكافحة الفساد تبقى مجرد شعارات للاستهلاك ما دامت المؤشرات الواقعية تتجه عكس ذلك.
وفي ختام بيانها، طالبت الجمعية بسياسات عمومية جديدة تستجيب لحاجيات المواطنين في التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية وتضع كرامة المواطن في صلب الاختيارات العمومية، بدل تكريس اقتصاد الامتيازات والريع. كما دعت إلى مواءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمحاربة الفساد، وإحالة جميع التقارير الرسمية الصادرة عن مؤسسات الرقابة على القضاء دون استثناء، حتى لا تبقى التقارير مجرد وثائق تُحفظ في الرفوف دون أثر.
وخاطبت الجمعية الرأي العام قائلة إن معركة محاربة الفساد “ليست مسؤولية حركة حقوقية أو أصوات معزولة”، بل هي معركة مجتمع بأكمله دفاعاً عن مستقبله، مؤكدة أن استمرار الوضع الحالي سيجعل المغرب، لا محالة، يدفع ثمناً تنموياً واجتماعياً باهظاً إذا لم يتم وضع حد للإفلات من العقاب وإرساء دولة الحق والقانون على أرض الواقع لا في الخطابات.










































