أجرى وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، يوم الثلاثاء في نيويورك، لقاءين منفصلين مع كل من وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ووزير الدولة الجزائري المكلف بالشؤون الخارجية أحمد عطاف، وذلك على هامش اجتماعات الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وجرت اللقاءات في أجواء مغلقة وسط تكتم شديد حول مضمون المحادثات، التي تأتي في سياق إقليمي ودولي حساس، قبيل جلسة مرتقبة لمجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء الغربية.
ويُقرأ في تحرّك ألباريس محاولة إسبانية للعودة إلى دائرة التأثير في هذا الملف المعقّد، الذي تسبب في توتر علاقات مدريد بكل من الرباط والجزائر في السنوات الأخيرة، قبل أن تشهد نوعاً من الانفراج التدريجي، لا سيما مع الجزائر.
موقف إسباني ثابت… وتوازن دقيق
وكانت الحكومة الإسبانية قد تبنّت في مارس 2022 موقفاً جديداً باعتبار مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لتسوية النزاع، وهو ما أعاد الدفء إلى العلاقات مع الرباط، لكنه في المقابل أدى إلى أزمة دبلوماسية حادة مع الجزائر، شملت تعليق معاهدة الصداقة الثنائية وتجميد المبادلات التجارية.
غير أن الأشهر الأخيرة شهدت محاولات إسبانية لاحتواء التوتر مع الجزائر، التي تُعد من أبرز مزودي إسبانيا بالغاز الطبيعي، عبر قنوات سياسية واقتصادية.
وتسعى مدريد اليوم إلى الموازنة بين علاقتها الاستراتيجية مع المغرب، التي تشمل ملفات الهجرة والتعاون الأمني والاقتصادي، وبين سعيها لاستعادة الثقة الجزائرية، بما في ذلك إعادة بعث التبادلات التجارية وتعزيز التعاون الطاقي.
نجاحات دبلوماسية لافتة للمغرب
وفي خضم هذا الحراك، يواصل المغرب تحقيق نجاحات دبلوماسية متتالية بشأن قضية الصحراء، تجلّت في توالي الاعترافات الدولية بمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وعملي للنزاع، إلى جانب افتتاح أكثر من 30 قنصلية عامة في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما تعتبره الرباط تجسيداً ميدانياً لاعتراف دولي بسيادتها على الأقاليم الجنوبية.
كما ساهمت الشراكات الاستراتيجية التي نسجها المغرب مع قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج، في ترسيخ موقعه كفاعل إقليمي مؤثر، قادر على إدارة الملفات المعقدة برؤية براغماتية ودبلوماسية مرنة.
وساطة إسبانية غير معلنة؟
ويرى مراقبون أن تحركات وزير الخارجية الإسباني في نيويورك قد تندرج ضمن مسعى غير معلن للوساطة بين المغرب والجزائر، في ظل اقتراب موعد الجلسة السنوية لمجلس الأمن حول ملف الصحراء، التي من المنتظر أن تشهد مشاورات بشأن تمديد ولاية بعثة المينورسو، وربما تضمين إشارات سياسية جديدة في نص القرار.
كما يُتوقع أن يتطرق القرار الأممي المرتقب إلى تطورات العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، في وقت يتواصل فيه الجمود بين أطراف النزاع، وسط دعم دولي متزايد للمقاربة المغربية.
ملف معقّد وحسابات دقيقة
ويُجمع المتابعون على أن أي مبادرة للوساطة في هذا الملف تستوجب دقة عالية في المواقف، لا سيما أن المغرب يعتبر قضية الصحراء مسألة سيادة وطنية غير قابلة للمساومة، بينما تواصل الجزائر دعمها لجبهة البوليساريو وتطالب بتنظيم استفتاء لتقرير المصير.
وفي هذا السياق، تبقى التحركات الإسبانية محكومة بحسابات دقيقة تتصل بتوازنات داخلية وإقليمية، كما تتطلب تنسيقاً وثيقاً مع شركاء مدريد الأوروبيين والدوليين، في ظل استمرار انقسام المواقف داخل مجلس الأمن بشأن مسار الحل.









































