لم يأتِ الرفض الواسع لمشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة من فراغ، ولا يمكن اختزاله في اعتراضات تقنية أو حسابات ظرفية بين حكومة ومعارضة. بل يعكس، في جوهره، أزمة ثقة عميقة بين الجسم الصحافي والسلطة المشرفة على القطاع، في لحظة دقيقة يفترض فيها أن يشكّل الإعلام رافعة أساسية للتحول الديمقراطي وصورة البلاد في الداخل والخارج.
فمنذ إلغاء مؤسسة التنظيم الذاتي المنتخبة وتعويضها بلجنة مؤقتة عيّنتها الحكومة، دخل قطاع الصحافة مرحلة غير مسبوقة من الارتباك القانوني والمؤسساتي. خطوةٌ اعتبرتها الفيدرالية المغربية لناشري الصحف مساساً صريحاً بفلسفة التنظيم الذاتي، التي يقوم عليها المجلس الوطني للصحافة، وتحويلاً لمؤسسة مستقلة إلى آلية انتقالية مفتوحة على التمديد والغموض.
لجنة مؤقتة… بشرعية مؤقتة
وتذهب الفيدرالية أبعد من ذلك، حين تؤكد أن اللجنة المؤقتة أصبحت، من الناحية القانونية، منتهية الصلاحية، وأن كل القرارات الصادرة عنها تُعدّ باطلة، ما يطرح إشكالاً خطيراً حول شرعية المسار الذي بُني عليه مشروع القانون الحالي. فبدل أن يشكل هذا القانون مدخلاً لإعادة الاعتبار للمجلس، يرى منتقدوه أنه يكرّس منطق الأمر الواقع، ويشرعن مرحلة انتقالية كان يُفترض أن تكون استثنائية ومحدودة زمنياً.
وفي هذا السياق، اعتبرت الفيدرالية أن ما كشفته تسجيلات مسربة نُسبت للصحافي حميد المهدوي لا يندرج فقط في خانة الجدل الإعلامي، بل يمثل إساءة للقانون وأخلاقيات المهنة، وانتهاكاً لكرامة الصحافيين وحرمة القضاء المستقل، ما يعمّق الإحساس بأن القطاع يُدار بمنطق العقاب والضبط، لا بمنطق الشراكة والمسؤولية.
قانون بلا ثقة… ولا توافق
أحد أبرز أسباب رفض المشروع يتمثل في غياب الحوار المهني الحقيقي. فالقانون، وفق منتقديه، لم يُبنَ على تشاور موسع مع الهيئات الممثلة للصحافيين والناشرين، بل قُدّم كصيغة شبه جاهزة، رُفضت بشأنها عشرات التعديلات داخل البرلمان، في مشهد عزز الانطباع بأن المشرّع يسير في اتجاه أحادي.
وتطالب الفيدرالية، انسجاماً مع هذا الموقف، بوقف المسطرة التشريعية وفتح نقاش مهني جاد يعيد التفكير في مستقبل القطاع ككل، لا في هندسة مجلسه فقط. فالإشكال، كما ترى، لا يكمن في عدد أعضاء المجلس أو طريقة انتخابهم، بقدر ما يكمن في الرؤية التي تحكم العلاقة بين الدولة والصحافة.
بطاقات مهنية… وشفافية غائبة
ومن مظاهر هذا الخلل، بحسب الفيدرالية، التأخر غير المبرر في إصدار البطاقات المهنية للصحافيين، وامتناع اللجنة المؤقتة عن نشر لوائح المستفيدين منها، وهو ما اعتبرته تكريساً لغياب الشفافية وتهديداً لمصداقية المهنة. فالبطاقة المهنية، في هذا السياق، لا تُعد مجرد وثيقة إدارية، بل رمزاً للاعتراف المهني، وأداة لتنظيم الولوج إلى الحقل الإعلامي.
كما شددت الهيئة على أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتجاهل الجانب الاجتماعي، داعية إلى إدماج تطوير الاتفاقية الجماعية داخل النص القانوني، بما يضمن تحسين أوضاع الموارد البشرية دون تمييز أو تجاوز، ويضع حداً لهشاشة مهنية باتت تهدد مستقبل الصحافة نفسها.
دعم عمومي بلا تشاور
ويُسجَّل، كذلك، اعتراض قوي على طريقة تدبير ملف الدعم العمومي للصحافة. إذ نبهت الفيدرالية إلى غياب أي تشاور فعلي معها بشأن إعداد المرسوم الجديد، في وقت تعاني فيه المقاولات الصحافية، خصوصاً الجهوية، من اختناق مالي متزايد بفعل عشوائية سوق الإعلانات، وتأخر المؤسسات العمومية والجماعات الترابية في أداء مستحقاتها.
وتزداد الصورة قتامة مع مشاكل توزيع الصحف الورقية، وتأخر تحصيل عائداتها، وإقصاء المطابع الصغرى من آليات الدعم، ما يهدد استمرارية جزء واسع من النسيج الإعلامي الوطني.
إعلام قوي لرهانات كبرى
وترى الفيدرالية أن رهانات المغرب المقبلة، وعلى رأسها احتضان تظاهرات رياضية دولية كبرى، لا يمكن فصلها عن وجود صحافة مهنية قوية ومستقلة. فالصورة لا تُبنى فقط بالملاعب والبنيات التحتية، بل أيضاً بإعلام قادر على المواكبة والنقد والترويج الاحترافي.
وفي هذا الإطار، دعت الجهات الرياضية إلى إشراك الصحافيين المهنيين قبل أي تعديل في أنظمة التغطية، مجددة دعمها للجمعية المغربية للصحافة الرياضية وفيدرالية جمعيات الصحافة الرياضية في جهود الإصلاح والشفافية.
رفض بدافع الإنقاذ لا التعطيل
في المحصلة، لا يُقرأ رفض مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بوصفه رغبة في التعطيل، بل كمحاولة لإنقاذ ما تبقى من منطق التنظيم الذاتي، واستعادة الثقة المفقودة بين الدولة والفاعلين المهنيين. فالقانون، في نظر معارضيه، لا يمكن أن ينجح ما لم ينبنِ على التوافق، والشرعية، واحترام استقلالية المهنة.
ومن هنا، تدعو الفيدرالية إلى وحدة الصف المهني، ورفض الضغوط والابتزازات، وتعزيز التنسيق بين الناشرين ونقابات الصحافيين، باعتبار ذلك المدخل الوحيد لإصلاح حقيقي يعيد للصحافة المغربية دورها ومصداقيتها في المجتمع.










































