أعلنت الحكومة بشكل رسمي ترحيل ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى الولاية الحكومية المقبلة، في خطوة تؤكد تعذر الحسم في أحد أكثر الأوراش الاجتماعية حساسية قبل نهاية الولاية الحالية، بعدما اصطدمت مساعي الإصلاح باستمرار الخلافات مع المركزيات النقابية وتعقد الخيارات المرتبطة بالتوازنات المالية للصناديق وضمان الحقوق الاجتماعية للمنخرطين والمتقاعدين.
ويأتي هذا الإعلان ليضع حدا للتوقعات التي كانت تراهن على إخراج تصور نهائي لإصلاح منظومة التقاعد خلال الأشهر المتبقية من عمر الحكومة، خاصة أن هذا الملف ظل حاضرا في مختلف جولات الحوار الاجتماعي، باعتباره من الملفات الاستراتيجية التي ترتبط بمستقبل الحماية الاجتماعية واستدامة المالية العمومية، فضلا عن انعكاساته المباشرة على ملايين الأجراء والمتقاعدين.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، أن وضعية أنظمة التقاعد تهم جميع المغاربة، بالنظر إلى ما تمثله من ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي، مشددة على أن استمرار الصناديق في الوفاء بالتزاماتها تجاه المنخرطين والمتقاعدين يفرض مباشرة إصلاح، سواء كان شاملا أو مرحليا، يضمن استدامة هذه الأنظمة ويجنبها الاختلالات المالية التي حذرت منها العديد من التقارير خلال السنوات الماضية.
وأوضحت الوزيرة أن وتيرة الإصلاح ظلت بطيئة بسبب الطبيعة المعقدة لهذا الورش، الذي يتداخل فيه البعد الاجتماعي مع الاعتبارات المالية والديمغرافية، إضافة إلى ضرورة التوصل إلى توافق واسع بين مختلف الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الحكومة والمركزيات النقابية والفاعلون الاقتصاديون. كما أشارت إلى أن اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد عقدت آخر اجتماع لها خلال الولاية الحكومية الحالية، في إطار مواصلة النقاش حول السيناريوهات الممكنة للإصلاح.
وأقرت المسؤولة الحكومية بأن الحكومة الحالية لن تتمكن من إنهاء هذا الورش قبل انتهاء ولايتها، مؤكدة أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بمواصلة مسار التشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين من أجل الوصول إلى صيغة توافقية تضمن استدامة الصناديق وتحافظ في الوقت ذاته على الحقوق المكتسبة للمنخرطين والمتقاعدين.
وأكدت الوزيرة أن إصلاح التقاعد لا يهم الحكومة أو البرلمان فقط، بل يمثل قضية مجتمعية بامتياز، بالنظر إلى تأثيره المباشر على الأجراء والمتقاعدين والأجيال المقبلة، معتبرة أن نجاح هذا الورش يظل رهينا ببلورة توافق جماعي حول طبيعة الإصلاح وحدوده وجدول تنفيذه، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.
وكان رئيس الحكومة قد اختار في وقت سابق إحالة ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى مسطرة التشاور مع المركزيات النقابية، في محاولة للوصول إلى تصور يحظى بأوسع توافق ممكن، غير أن جولات الحوار لم تنجح في تجاوز الخلافات القائمة بشأن عدد من القضايا الجوهرية، من بينها سن الإحالة على التقاعد، ونسب مساهمات الأجراء والمشغلين، وآليات تمويل الصناديق وضمان استقرارها المالي على المدى الطويل.
وتعد هذه النقاط من أبرز عناصر الخلاف بين الحكومة والنقابات، إذ تتمسك الأخيرة بضرورة الحفاظ على الحقوق المكتسبة ورفض أي إصلاح يحمل الأجراء وحدهم كلفة معالجة الاختلالات المالية، بينما تؤكد الحكومة أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تفاقم العجز داخل بعض الصناديق، وهو ما يفرض اتخاذ قرارات إصلاحية تضمن ديمومة المنظومة.
ويأتي ترحيل الملف في سياق يتسم بتزايد التحذيرات من الضغوط التي تواجهها أنظمة التقاعد، نتيجة التحولات الديمغرافية وارتفاع متوسط العمر وتراجع نسبة النشطين مقارنة بعدد المتقاعدين، وهي معطيات تجعل الحفاظ على التوازنات المالية للصناديق تحديا متزايدا خلال السنوات المقبلة.
ويرى متابعون أن تأجيل الحسم في هذا الملف يعكس حجم التعقيدات السياسية والاجتماعية التي ترافق أي إصلاح لأنظمة التقاعد، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالقدرة الشرائية للأجراء، ومستوى المعاشات، والاستقرار الاجتماعي، وهو ما يجعل أي قرار في هذا المجال بحاجة إلى توافق واسع يضمن قبوله من مختلف الأطراف.
كما يفتح قرار الترحيل الباب أمام الحكومة المقبلة لإعادة إطلاق هذا الورش من جديد، في ظل انتظارات كبيرة من الرأي العام والشركاء الاجتماعيين للوصول إلى إصلاح متوازن يوفق بين ضمان استدامة الصناديق وحماية الحقوق الاجتماعية، مع اعتماد رؤية بعيدة المدى تستجيب للتحولات الاقتصادية والديمغرافية التي تعرفها المملكة.
ويظل إصلاح أنظمة التقاعد واحدا من أبرز الملفات الاجتماعية المؤجلة، بالنظر إلى ما يفرضه من قرارات صعبة وخيارات دقيقة، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى اعتماد مقاربة تشاركية تضمن إشراك مختلف الفاعلين في صياغة الحلول، بما يحافظ على الثقة في منظومة التقاعد ويؤمن استمراريتها لفائدة الأجيال الحالية والمقبلة.







































