شرعت المفتشية العامة للمالية في تحقيقات معمقة حول صفقات ضخمة لكراء سيارات المصلحة، بلغت قيمتها الإجمالية أزيد من 350 مليون درهم “35 مليار سنتيم”، بعد رصد مؤشرات قوية على وجود تجاوزات وتلاعبات في تدبير هذه العقود داخل مؤسسات ومقاولات عمومية. وتأتي هذه التحقيقات في إطار عمليات تدقيق موسعة أطلقتها المفتشية لكشف أوجه الهدر وسوء التسيير التي أضحت تثقل كاهل المالية العمومية، خصوصاً في ظل تضخم نفقات الكراء وارتفاع ميزانيات التنقل والإدارة.
وتشير المعطيات التي تم التوصل إليها إلى أن فرق المفتشية قامت بزيارات ميدانية إلى عدد من الإدارات والمؤسسات العمومية، من ضمنها مؤسسة يوجد مقرها الرئيسي في الدار البيضاء، بعدما تبين تسجيل زيادة غير مبررة في أسطول السيارات التابعة لها، إلى جانب الإفراط في اللجوء إلى صيغ الكراء طويل الأمد دون مبررات عملية واضحة. وخلال هذه الزيارات، تم الوقوف على ملفات تتعلق بصفقات تم تفويتها بالتراضي وتقسيمها إلى أشطر صغيرة لتفادي المرور عبر المساطر القانونية لطلبات العروض، في خرق صريح لقواعد الشفافية والتنافسية التي تضمن المساواة بين المتنافسين.
التحقيقات أظهرت أيضاً أن بعض الإدارات العمومية أقدمت على كراء سيارات فاخرة لفائدة موظفين يشغلون مناصب ميدانية، لا تتطلب هذا النوع من المركبات، ما جعل تلك الصفقات تفتقر إلى الجدوى الاقتصادية وتشكل هدراً واضحاً للمال العام. وتبين أن كلفة هذه السيارات الفاخرة تجاوزت بشكل ملحوظ المعدلات المعقولة للكراء، فيما لم تتمكن الإدارات المعنية من تقديم مبررات منطقية حول نوعية السيارات المختارة ولا حول معايير تحديدها.
وفي محور آخر من مهام الافتحاص، رصد مفتشو المالية اختلالات خطيرة في تدبير عقود الصيانة المرافقة لصفقات الكراء، إذ تبين أن عدداً من الإدارات وقّعت عقوداً لا تتضمن بنود الصيانة الوقائية والإصلاحات الدورية، ما أدى إلى تحميلها أعباء إضافية ضخمة نتيجة الأعطاب المتكررة التي لحقت بالمركبات. كما تم تسجيل حالات أخرى من الغياب التام للتتبع والمراقبة التقنية للسيارات، رغم الأداءات السنوية الكبيرة الموجهة لورشات الصيانة، وهو ما أدى إلى تعطل عدد مهم من المركبات وخروجها من الخدمة قبل انتهاء مدة الكراء.
تفاقم الكلفة العامة لحظيرة السيارات المستعملة من طرف الإدارات العمومية شكل مؤشراً إضافياً على عمق الأزمة، إذ وصلت النفقات الإجمالية إلى حوالي 900 مليون درهم (90 مليار سنتيم) سنوياً، تشمل تكاليف التأمين وأجور السائقين وصيانة المركبات المملوكة للدولة. هذا الوضع دفع عدداً من المسؤولين إلى تفضيل خيار الكراء على الاقتناء المباشر، تحت مبرر ترشيد النفقات، غير أن هذا التوجه تحول في الواقع إلى مصدر جديد للتكاليف المرتفعة، بفعل غياب الرقابة الصارمة وتزايد الاعتماد على شركات محددة تستحوذ على أغلب الصفقات العمومية في القطاع.
ووفقاً للتحقيقات الجارية، اتجه مفتشو المالية إلى التدقيق في شبهات تلقي بعض المسؤولين والموظفين العموميين لمنافع مالية وعمولات مقابل تيسير تمرير الصفقات على مقاس شركات بعينها، حيث كشفت المعطيات عن علاقات مشبوهة تربط عدداً من المتدخلين في المساطر الإدارية بمسيري الشركات المستفيدة. وتزامن ذلك مع توصل المفتشية بمعطيات من اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية تتعلق بطعون تقدمت بها شركات منافسة حول اختلالات مسطرية في تدبير بعض طلبات العروض.
وتشير نتائج الافتحاص الأولية إلى أن الارتفاع غير المسبوق في الميزانيات المخصصة لكراء السيارات – والذي ارتفع بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة – شجع عدداً من المسؤولين العموميين على إنشاء شركات كراء سيارات بأسماء أشخاص من محيطهم، مستفيدين من توجه الإدارات العمومية إلى تبني خيار الكراء طويل الأمد بدل الاقتناء، تنفيذاً لتوصيات حكومية صدرت عن ثلاث حكومات متتالية بدعوى تقليص التكاليف على ميزانية الدولة.
كما رصدت التقارير النهائية للمفتشية العامة للمالية مؤشرات على تلاعبات في دفاتر التحملات الخاصة بصفقات الكراء، جرى تصميمها بطريقة تتيح لشركات محددة فقط الظفر بها، نظراً لتوفرها وحدها على الشروط التقنية المطلوبة، ما يطرح تساؤلات عميقة حول نزاهة مساطر الإرساء ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
التحقيقات الجارية، التي لا تزال مفتوحة على مستويات متعددة، تعكس حجم التحديات التي تواجهها الإدارة المغربية في مجال الحكامة المالية وتدبير المال العام. فبين تضخم الفواتير وغياب التتبع الفعّال، يجد الرأي العام نفسه أمام مشهد متكرر من الهدر وسوء التدبير، ينتظر أن تكشف نتائجه النهائية عن المسؤوليات الدقيقة وعن الإجراءات التأديبية والقضائية التي ستُتخذ في حق المتورطين في هذه الصفقات التي تجاوزت عتبة 35 مليار سنتيم، في واحدة من أكبر عمليات التدقيق المالي التي باشرتها المفتشية خلال السنوات الأخيرة.









































