- برغم التفوق الواضح للمنتخب الوطني في مباراة تنزانيا، سواء من حيث نسبة الاستحواذ أو التحكم في إيقاع اللعب، فإن اللقاء كشف مرة أخرى عن الفجوة القائمة بين السيطرة الرقمية والفعالية الهجومية.
فالمنتخب المغربي استحوذ على الكرة بنسبة بلغت 71 في المائة، وبنى عددا كبيرا من الجمل الهجومية، وفرض أسلوبه على مجريات المباراة، غير أن كل هذا الزخم لم يُترجم سوى إلى هدف وحيد حمل توقيع إبراهيم دياز، جاء من تسديدة ذكية أربكت الحارس التنزاني أكثر مما كانت نتيجة ضغط متواصل داخل منطقة الجزاء.
المباراة، في عمقها، لم تكن سهلة كما توقع كثيرون. فالمنتخب التنزاني دخل المواجهة بخطة واضحة، قوامها التكتل الدفاعي المحكم، مراقبة المساحات، وإغلاق العمق، مع الاعتماد على التحولات السريعة كلما سنحت الفرصة.
هذا النهج أربك المنتخب المغربي، الذي وجد صعوبة في تفكيك الخطوط المتقاربة، واضطر في فترات طويلة إلى تدوير الكرة عرضيا دون خلق فرص صريحة، رغم التفوق الكبير في عدد التمريرات والتسديدات.
الأرقام تعكس سيطرة مغربية شبه مطلقة: تفوق في نسبة الاستحواذ، عدد التمريرات، التسديدات على المرمى، والركنيات، مقابل حضور هجومي محتشم للمنتخب التنزاني.
غير أن النتيجة النهائية، بهدف وحيد، تُبرز أن هذه السيطرة كانت في كثير من الأحيان شكلية، ولم تقترن بالنجاعة المطلوبة في الثلث الأخير من الملعب. فقد غابت الحلول المتنوعة، وبدا الاعتماد كبيرا على الاختراق من العمق، في وقت كان فيه الخصم يغلق المنافذ بذكاء وانضباط.
كما أن الضغط النفسي المصاحب لمباريات الأدوار الإقصائية كان حاضرا، وهو ما انعكس على سرعة اتخاذ القرار ودقة اللمسة الأخيرة. فالمنتخب المغربي لعب وهو مطالب بالفوز، لكنه افتقد في لحظات كثيرة للهدوء والجرأة الكافية لحسم المباراة مبكرا، ما جعل الدقائق تمر وسط إحساس عام بأن التأهل، رغم السيطرة، لم يكن مريحا.
وتزداد دلالات هذه المباراة أهمية بالنظر إلى هوية الخصم القادم في الدور ربع النهائي. فالمنتخب الكاميروني بلغ هذا الدور عقب فوزه في مباراة قوية تقنيا وبدنيا وتكتيكيا على منتخب جنوب إفريقيا، في لقاء أكد من خلاله “الأسود غير المروضة” قدرتهم على رفع الإيقاع، واللعب بواقعية عالية، مع قوة واضحة في الالتحامات والتحولات.
منتخب يملك خبرة قارية كبيرة، ويجيد التعامل مع مثل هذه المواعيد الحاسمة، ويعرف كيف يستثمر أنصاف الفرص دون الحاجة إلى الاستحواذ المطلق.
مواجهة المغرب والكاميرون تعيد إلى الذاكرة محطة تاريخية من نصف نهائي كأس إفريقيا للأمم 1988 بالمغرب، ما يضفي على اللقاء بعدا رمزيا ونفسيا إضافيا. غير أن الرهان هذه المرة سيكون مختلفا، لأن المنتخب الكاميروني لا يمنح المساحات بسهولة، ويجيد الضغط البدني والانضباط التكتيكي، وهو ما يجعل أي تفوق نظري غير كافٍ ما لم يُدعّم بالنجاعة والحسم.
وتُجرى مباراة ربع النهائي يوم الجمعة المقبل بمجمع الأمير مولاي عبد الله بالرباط، انطلاقا من الساعة الثامنة مساء، في اختبار حقيقي لقدرة المنتخب الوطني على تطوير أدائه الهجومي، وتحويل السيطرة إلى أهداف، أمام خصم لا يرحم الأخطاء، ولا يسمح بتكرار سيناريو المعاناة الذي طبع مواجهة تنزانيا. ففي مثل هذه المباريات، لا مجال للاكتفاء بالأرقام، بل بالحسم والواقعية، لأن التفاصيل الصغيرة وحدها هي من تصنع الفارق.









































