يشكّل تسلّم القوات المسلحة الملكية أول دفعة من المدرعات القتالية “WhAP 8×8” المنتَجة محليًا منعطفًا نوعيًا في مسار تحديث الجيش المغربي، ويعكس تحوّلًا عميقًا في فلسفة اقتناء العتاد العسكري، من الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد إلى منطق الإنتاج الدفاعي المشترك وبناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على الاستجابة للمتطلبات العملياتية المستقبلية. هذا التطور لا يندرج فقط في إطار تعزيز القدرات القتالية، بل يؤسس أيضًا لرؤية استراتيجية بعيدة المدى تسعى من خلالها المملكة إلى ترسيخ سيادتها الدفاعية وتقليص التبعية الخارجية.
ويأتي هذا المشروع في سياق شراكة صناعية بين المغرب والهند، تُوّجت بإنشاء مصنع صناعي دفاعي بمدينة برشيد، يُعد من بين الأكبر من نوعه على الصعيد الوطني. ويهدف هذا المصنع إلى إنتاج أسطول يصل إلى 150 مدرعة خلال ثلاث سنوات، مع اعتماد مقاربة تصاعدية في نسب الإدماج المحلي، حيث يتم حاليًا تصنيع نحو ثلث مكوّنات المدرعة داخل المغرب، على أن ترتفع هذه النسبة تدريجيًا إلى حدود 50 في المائة في الدورات الإنتاجية اللاحقة. ويعكس هذا التوجه إرادة واضحة في بناء منظومة صناعية دفاعية متكاملة، تشمل التصنيع والصيانة والدعم اللوجستي، بما يضمن استدامة الأسطول العسكري وتقليص كلفة التشغيل على المدى الطويل.
ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على بعده العسكري الصرف، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية وتقنية، من خلال نقل الخبرة وتكوين يد عاملة مغربية مؤهلة في مجالات صناعية عالية الدقة. كما يفتح المجال أمام تطوير منظومة صناعية موازية تضم موردين محليين ومقاولات وطنية، ما يعزز النسيج الصناعي ويرفع من القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وعلى المستوى التقني والعملياتي، تتميز مدرعات “WhAP 8×8” بكونها منصة قتالية معيارية تجمع بين الحماية العالية والقدرة النارية والحركية، ما يجعلها ملائمة لمختلف سيناريوهات القتال والانتشار. وتشتغل هذه المدرعات بمحرك ديزل قوي بقوة 600 حصان، يضمن نسبة مرتفعة من القوة إلى الوزن، وهو ما يمنحها أداءً متميزًا في البيئات الجبلية والوعرة، إضافة إلى قدرتها على بلوغ سرعة تصل إلى 100 كيلومتر في الساعة على الطرق المعبدة.
وتعتمد المنصة نظام عجلات 8×8 مع تعليق هيدرونيوماتيكي متطور، يتيح التكيف مع مختلف أنواع التضاريس، سواء في وضع السرعة العالية أو في وضعية السير البطيء لتعزيز التماسك على الأراضي اللينة. كما تتوفر المدرعة على ناقل حركة أوتوماتيكي متكامل، وأنظمة تبريد متقدمة تقلّص البصمة الحرارية، ما يعزز من قدرتها على العمل في ظروف مناخية وعملياتية معقدة.
وتتمتع “WhAP 8×8” أيضًا بقدرات برمائية، بفضل تجهيزها بنفاثات مائية خلفية تمكّنها من التحرك في المياه بسرعة تصل إلى 10 كيلومترات في الساعة، ما يمنح القوات المسلحة مرونة إضافية في عمليات العبور والدعم اللوجستي. كما زُوّدت بنظام مركزي لنفخ الإطارات وإطارات مقاومة للانفجار، تتيح لها مواصلة الحركة حتى في حال تعرضها لأضرار أثناء العمليات.
أما على مستوى الحماية، فقد جرى تعزيز الهيكل السفلي والأرضية لتوفير مقاومة عالية للألغام والعبوات الناسفة، مع تصميم يشتت طاقة الانفجار بعيدًا عن الطاقم، الذي يمكن أن يصل إلى ثمانية أفراد. وتُعد المعيارية من أبرز نقاط قوة هذه المدرعات، إذ يمكن تكييفها لأداء مهام متعددة، من نقل الجنود في بيئة محمية، إلى مركبات قيادة وتحكم، ووحدات دعم قتالي، فضلًا عن إمكانية تجهيزها بأنظمة تسليح متنوعة، سواء عبر محطات أسلحة يتم التحكم فيها عن بُعد أو أبراج مأهولة.
وتشمل خيارات التسليح رشاشات خفيفة ومتوسطة، ومدافع آلية، مع قابلية تطوير نسخ مزودة بمدافع ثقيلة عيار 105 أو 120 ميليمترًا، ما يوفّر دعمًا ناريًا مباشرًا متحركًا يملأ الفراغ بين مركبات نقل المشاة والدبابات القتالية الرئيسية. وقد أثبتت هذه المنصة نجاعتها خلال اختبارات ميدانية أُجريت بالمغرب، حيث تفوقت على منافسين دوليين، ما عزز قرار اعتمادها كبديل موحد لأسطول مدرعات أقدم.
وفي المجمل، لا تمثل عملية تسليم هذه المدرعات إضافة رقمية إلى العتاد العسكري المغربي فحسب، بل تشكّل خطوة استراتيجية تعكس نضج الرؤية الدفاعية للمملكة، القائمة على تنويع الشراكات الدولية، وبناء قدرات صناعية محلية، وتعزيز الاستقلالية الإستراتيجية، بما يخدم أمن المغرب واستقراره في محيط إقليمي ودولي متقلب.









































